أرض اللبان.. وثائقي يأخذ المشاهد إلى قلب ظفار ويكشف أسرار الشجرة العُمانية العريقة
تحتفظ محافظة ظفار بمكانة استثنائية في الذاكرة العُمانية والعالمية، ليس فقط بما تتمتع به من طبيعة خلابة وتنوع بيئي فريد، وإنما أيضًا لارتباطها التاريخي بشجرة اللبان التي شكّلت على مدى قرون أحد أبرز رموز عُمان الحضارية والاقتصادية. ومن هذا الإرث العريق ينطلق الفيلم الوثائقي «أرض اللبان» من إنتاج RT Arabic، ليأخذ المشاهد في رحلة بصرية وعلمية تستكشف كنوز ظفار الطبيعية وأسرار اللبان العُماني ومكانته عبر التاريخ.يرصد الفيلم عددًا من أبرز المواقع الطبيعية في محافظة ظفار، متنقلًا بين وادي دربات وولاية طاقة ومحمية وادي دوكة، في مشاهد تسلط الضوء على البيئة الخاصة التي تنمو فيها أشجار اللبان، والظروف المناخية التي أسهمت في تميز المنطقة بإنتاج أنواع عالية الجودة من الصمغ الطبيعي الذي اشتهرت به سلطنة عُمان منذ القدم.ولا تتوقف عدسة الفيلم عند شجرة اللبان وحدها، بل تستعرض التنوع النباتي الذي تتميز به ظفار، بما في ذلك أشجار جوز الهند والنخيل والغطاء النباتي المتنوع الذي يمنح المحافظة هوية طبيعية مختلفة، ويجعلها إحدى أبرز البيئات الفريدة في شبه الجزيرة العربية.ويجمع الفيلم، الذي أخرجه كريم نجيب وتولت أنيسة مراد السيناريو والإعداد، بين جمال الصورة الوثائقية والمعلومة العلمية، في محاولة لتقديم صورة متكاملة عن شجرة اللبان باعتبارها أكثر من مجرد منتج طبيعي؛ فهي جزء من الذاكرة الشعبية والتاريخ الاقتصادي والثقافي للمنطقة.ويكتسب العمل بعدًا علميًا من خلال استضافة مجموعة من الباحثين والخبراء الروس، من بينهم مختصون من جامعة موسكو الحكومية للهندسة الزراعية ومركز سيميونوف الفيدرالي للأبحاث في الفيزياء الكيميائية، إلى جانب خبراء عُمانيين متخصصين في جمع اللبان ومعرفة أسراره وطرق استخراجه التقليدية.ويتناول الخبراء الخصائص الفريدة للبان العُماني، ومن بينها احتواؤه على الأحماض البوسويلية المعروفة بخصائصها المضادة للالتهابات، إضافة إلى استعراض بعض الأبحاث العلمية التي تدرس مكونات اللبان وإمكانات الاستفادة منه في التطبيقات الطبية والدوائية مستقبلًا.غير أن القيمة الحقيقية لـ«أرض اللبان» لا تقتصر على تقديم المعلومات العلمية، إذ يذهب الفيلم إلى عمق العلاقة الإنسانية بين سكان ظفار وهذه الشجرة التاريخية، موثقًا تقاليد جمع اللبان في محمية وادي دوكة، وهي مهنة توارثتها عائلات عُمانية جيلًا بعد جيل، وحافظت من خلالها على خبرات متراكمة في اختيار الأشجار وتوقيت استخراج اللبان وطرق التعامل معها بما يحافظ على استدامتها.كما يوثق الفيلم جانبًا من العادات الاجتماعية المرتبطة باللبان في المجتمع العُماني، حيث ظل حاضرًا في تبخير المنازل والمجالس والمناسبات، وارتبط بالرائحة والضيافة والهوية المحلية، ليصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية إلى جانب قيمته التجارية والتاريخية.ومن خلال هذا المزيج بين التاريخ والعلم والطبيعة والتراث الإنساني، يقدم الفيلم صورة أوسع عن اللبان العُماني، ليس بوصفه سلعة ارتبطت بطرق التجارة القديمة فحسب، وإنما باعتباره إرثًا طبيعيًا وثقافيًا لا يزال حاضرًا في حياة أبناء المنطقة ويحظى في الوقت نفسه باهتمام الباحثين والمؤسسات العلمية.ويأتي فيلم «أرض اللبان» ضمن توجه إنتاجات RT الوثائقية التي تسعى إلى تناول موضوعات تاريخية وثقافية وعلمية من خلال التصوير الميداني واللقاءات مع المختصين والبحث المباشر، بما يقرب المعلومة من الجمهور ويمنح المشاهد فرصة للتعرف على الأماكن والقصص من داخل بيئتها الحقيقية.ويجسد الفيلم في نهايته حكاية ظفار مع شجرة رافقت تاريخها لمئات السنين، وأسهمت في وصول اسم عُمان إلى حضارات وأسواق بعيدة. وبين أغصان اللبان ووديان ظفار الخضراء وذاكرة العائلات التي حافظت على هذه المهنة، تتشكل صورة لإرث عُماني متجذر في الأرض، ما زال يحمل قيمته الثقافية والعلمية والاقتصادية، وينقل حكايته من جيل إلى آخر.



