
- سلطنة عُمان تقدم درسًا استثنائيًا في التكافل المجتمعي
- في عالم تُقاس فيه قوة الدول غالبًا بحجم اقتصاداتها وعدد سكانها، جاءت سلطنة عُمان لتؤكد أن هناك معيارًا آخر أكثر قيمة وتأثيرًا، وهو قوة الإنسان عندما يتكاتف مع أخيه الإنسان. دولة لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، استطاعت خلال أيام معدودة أن تجمع أكثر من مليون ونصف المليون ريال عُماني لعلاج الطفل أحمد العجمي، ثم تواصلت جهودها حتى اكتمل أيضًا مبلغ علاج الطفل سالم الشيدي، في مشهد إنساني نادر جسّد أسمى معاني التضامن والمسؤولية المجتمعية. لم تكن تلك الأرقام مجرد مبالغ مالية، بل كانت رسائل محبة وأمل، شارك في صناعتها الجميع؛ من المواطنين، ورجال الأعمال، والشركات، والمؤسسات، والفرق التطوعية، والنساء، والشباب، وكبار السن. الجميع أدرك أن إنقاذ حياة طفل ليس مسؤولية أسرته وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. لقد أثبت المجتمع العُماني أن ثقافة التكافل ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما قيمة راسخة متجذرة في الهوية الوطنية. فكل مساهمة، مهما كان حجمها، كانت تعبيرًا عن الإيمان بأن حياة الإنسان هي أغلى ما يملك المجتمع. ولعل ما ميّز هذه الحملات أنها تجاوزت حدود التبرع التقليدي، لتتحول إلى حالة وطنية جامعة، توحدت فيها القلوب قبل الجهود، وسقطت فيها كل الفوارق الاجتماعية أمام هدف واحد هو إنقاذ حياة طفل ومنح أسرته الأمل. إن ما حدث في سلطنة عُمان يستحق أن يُوثق بوصفه نموذجًا عربيًا ملهمًا في العمل الإنساني، ورسالة إلى العالم بأن المجتمعات المتماسكة قادرة على تحقيق ما يبدو مستحيلًا عندما تتوحد حول هدف نبيل. ولم يكن النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة مجتمع تربى على قيم الرحمة والتكافل، ورسخت فيه القيادة الرشيدة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، ثقافة المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي، حتى أصبحت المبادرات الإنسانية جزءًا من هوية السلطنة وصورتها الحضارية. إن قيمة هذه التجربة لا تكمن في حجم الأموال التي جُمعت فحسب، بل في الرسالة التي حملتها؛ فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد سكانها، وإنما بما يملكه أبناؤها من وعي، ورحمة، وتكاتف، واستعداد للعطاء دون انتظار مقابل. ولنا رأي... حين تستطيع دولة بعدد سكان محدود أن تجمع خلال أيام مبالغ تتجاوز ملايين الريالات لإنقاذ أطفالها، فإنها لا تحقق نجاحًا ماليًا فقط، بل تكتب صفحة مضيئة في سجل الإنسانية. لقد أثبتت سلطنة عُمان أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن المجتمع المتكاتف هو أعظم ثروة يمكن أن تمتلكها أي دولة. إنها عُمان... وطنٌ إذا نادى الواجب، لبّى الجميع.



