بعد الحظر.. الوجه الآخر لفوضى السوشيال ميديا

لم تعد السوشيال ميديا مجرد مساحة للتعبير… بل تحولت إلى ساحة تُصنع فيها الحقائق أحيانًا، وتُشوَّه فيها الهويات أحيانًا أخرى، في ثوانٍ معدودة وبضغطة شاشة واحدة.ما يحدث اليوم على منصات التواصل الاجتماعي يستحق وقفة تتجاوز الحديث عن حساب تم حظره أو مشهور مُنع من الظهور. فالمشهد أكبر من أسماء وأشخاص، والقضية لم تعد مجرد محتوى يعجبنا أو لا يعجبنا؛ بل أصبحت قضية مسؤولية وتأثير، وصورة مجتمع كامل تُصنع أحيانًا في ثوانٍ خلف شاشة هاتف.الإجراءات الأخيرة التي طالت عددًا من حسابات مشاهير ومشهورات «سناب شات» داخل المملكة تطرح من جديد قضية المسؤولية الرقمية، وتؤكد أن الشهرة وكثرة المتابعين لا ينبغي أن تكونا حصانة أمام المساءلة. فالحساب الشخصي حين يتحول إلى منصة عامة يتابعها الآلاف أو الملايين، يصبح تأثير ما ينشره أكبر من حدود صاحبه، ويصبح من الطبيعي أن يتحمل مسؤولية هذا التأثير.لقد منحتنا السوشيال ميديا مساحة هائلة للتعبير والوصول إلى الناس، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام ممارسات جعلت من الإساءة والاستفزاز وإثارة الجدل وسيلة سريعة للشهرة والمشاهدات. وظهر ما يسمى بـ«الذباب الإلكتروني»، وحسابات لا تعيش إلا على صناعة الضجيج والخلاف، وكأن قيمة المحتوى أصبحت تُقاس بعدد المشاهدات والتعليقات، لا بما يضيفه للمجتمع.لكن فوضى السوشيال ميديا لا تتوقف عند حسابات سعودية تخالف أو تسيء استخدام المنصات؛ فهناك وجه آخر للمشهد لا يقل خطورة، وهو الحسابات الوهمية أو تلك التي تتخفى خلف هويات لا تخص أصحابها.فليس كل حساب يحمل اسمًا سعوديًا المفروض انه سعوديًا، وليس كل من أتقن اللهجة السعودية أو استخدم صورة لفتاة سعودية أصبح ممثلًا للمجتمع. هناك من يدير حسابات من خارج المملكة، ومن جنسيات مختلفة، مستخدمًا أسماء وصورًا ولهجة سعودية، وبعض هذه الحسابات يتقمص شخصية المرأة السعودية وينشر محتوى أو آراء أو إعلانات وكأنها صادرة عنها.وهنا لا أتحدث عن جنسية بعينها، ولا أضع شعبًا أو مجتمعًا كاملًا في دائرة الاتهام؛ فالمشكلة ليست في جنسية من يقف خلف الحساب، وإنما في الممارسة نفسها. أن تنتحل هوية ليست هويتك، وتتحدث بلسان مجتمع لا تمثله، ثم تستخدم تلك الصورة لتحقيق الانتشار أو المكاسب أو التأثير، فهذه ليست حرية تعبير، بل تضليل يجب أن ننتبه إلى خطورته.فالهوية ليست قناعًا رقميًا نرتديه متى شئنا، وصورة المرأة السعودية تحديدًا ليست مادة متاحة لمن يريد أن يصنع شخصية وهمية ثم يقدمها للعالم باعتبارها نموذجًا للمرأة في المملكة. وما قد يبدو للبعض حسابًا عابرًا يمكن، مع كثرة المتابعين وإعادة النشر، أن يساهم في تكوين صورة غير حقيقية عن مجتمع كامل.ولا يمكن الحديث عن فوضى السوشيال ميديا من دون التوقف عند الإعلانات غير الواضحة والمحتوى التجاري الذي يظهر أحيانًا في ثوب النصيحة أو التجربة الشخصية. فمن حق المتابع أن يعرف متى يستمع إلى رأي حقيقي، ومتى يشاهد إعلانًا مدفوعًا، وأن يعرف بوضوح حقيقة ما يُسوَّق له، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنتجات أو خدمات تمس صحته أو جماله أو ماله. فالثقة التي يمنحها الجمهور لصانع المحتوى مسؤولية، وليست سلعة تُباع لمن يدفع أكثر.إن ضبط المشهد الرقمي ومحاسبة التجاوزات خطوة مهمة، لكن الحظر وحده لا يصنع فضاءً رقميًا مسؤولًا. المسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة والمنصات وصنّاع المحتوى والمتابع نفسه؛ لأن الوعي يظل خط الدفاع الأول أمام حساب مجهول، أو هوية مستعارة، أو إعلان متخفٍ، أو محتوى لا هدف له سوى صناعة الضجيج.لقد أصبح من السهل اليوم صناعة اسم ووجه ولهجة وشخصية كاملة خلف شاشة، ولذلك لم يعد السؤال فقط: ماذا نرى على السوشيال ميديا؟ بل أصبح الأهم أن نسأل: من يقف خلف ما نراه؟ وبأي صفة يتحدث؟ وما الهدف من المحتوى الذي يصل إلى ملايين الناس؟فمن يسيء وهو يحمل هويته الحقيقية مسؤول عما ينشر، ومن يختبئ خلف هوية مستعارة مسؤول عن تضليله أيضًا.لا تحمي الشهرة صاحبها من المساءلة، ولا تمنح الشاشة أحدًا حق سرقة هوية الآخرين؛ فحين يصبح التأثير قوة، تصبح المسؤولية أكبر… والوطن وصورته ليست مساحة للعبث



