السياحة والتراث

قلعة الرستاق جوهرة التاريخ العُماني

قِلاعُ وَ حُصُونِ عُمَان تُحَف مِعْمَارِيََة وَ شَوَاهِدٌ تَاِريخِيَّة تُعد قلعة الرستاق من أعظم القلاع التاريخية في سلطنة عمان، ومن أقدم الحصون التي لا تزال شامخة إلى اليوم، حاملةً بين جدرانها أسرار الماضي العريق وعبق التاريخ المجيد. تقع القلعة في ولاية الرستاق بمحافظة جنوب الباطنة، وتتميز بموقعها الإستراتيجي عند سفوح الجبال الغربية لسلسلة الحجر الغربي، مما جعلها مركزًا مهمًا للحكم والحماية عبر العصور.تعود جذور بناء القلعة إلى عهد الفرس ، بالتحديد إلى ما قبل الإسلام، وتحديدًا إلى القرن الثالث الميلادي، في عام ٦٣٢ أي قبل أكثر من 1700 عام. كانت القلعة في البداية حصنًا صغيرًا، لكنها خضعت للعديد من عمليات التوسعة والترميم على مر العصور ، حيث كانت مقرًا لحكم الأئمة اليعاربة، الذين اتخذوا الرستاق عاصمة لهم ، ومن أشهر الأئمة الذين حكموا من القلعة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي والإمام سيف بن سلطان اليعربي الذي ينسب إليه بناء الأبراج الكبيرة في القلعة . وقد تم تجديدها وتوسيعها في فترات مختلفة ، أبرزها في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي في القرن السابع عشر الميلادي، الذي جعل منها مركزًا لحكم الدولة اليعربية، وأدخل عليها تحسينات دفاعية وهندسية .كما استخدمت القلعة مقرًا للحكم لعدد من الأئمة والسلاطين، وكان لها دور محوري في حماية البلاد من الغزاة وتنظيم شؤون الدولة.تتميز قلعة الرستاق بتصميمها الهندسي الفريد الذي يجمع بين الجمال والوظيفة الدفاعية ، و القوة و المتانة ، وتضم عددًا من العناصر المعمارية المميزة ، حيث تم بناؤها من الحصى و الطين و الجص ، أما مساحة القلعة فتلبغ: الطول ٦٠ مترًا – العرض ٤٥ مترًا – المساحة الإجمالية: ٢٧٠٠ متر مربع.و تتكون من أربعة أبراج رئيسية يحمل كل منها إسماً و تاريخاُ مختلفاً : أولها: البرج الأحمر، ويبلغ ارتفاعه أكثر من 16 مترًا وقطره تسعة أمتار ونصف المتر.وثانيها: برج الريح، الذي بناه الإمام سيف بن سلطان اليعربي والذي يوجد قبره في الركن الغربي من القلعة، ويبلغ ارتفاعه ” 12″ مترًا والقطر” 12″ مترًا أيضًا، ويحيط بسوره مائة مثلث تجميليّة.وثالثها: برج الشياطين، وبناه الإمام سيف بن سلطان اليعربي أيضًا والملقب بـ”قيد الأرض”، ويبلغ ارتفاع البرج 18 مترًا ونصف المتر وقطره ستة أمتار تقريبًا وتحيط بسوره خمسة مثلثات تجميليّة،ورابعها: البرج الحديث، وبُني في عهد الإمام أحمد بن سعيد، ويبلغ ارتفاعه ((11)) مترًا ونصف المتر، وعليه ثمانون مثلثًا تجميليًّا ، ولكل برج منها وظيفة عسكرية كانت تتيح مراقبة المدينة والدفاع عنها.وفي قلعة الرستاق عشرة مدافع، أربعة منها في البرج الحديث، وثلاثة في برج الريح، والثلاثة الأخرى في أسفل القلعة .كما توجد بها أربعة صباحات – بوابات – هي: صباح اليعاربة – العلعال – الوسطى – صباح السرحة والأسوار العالية بالقلعة مبنية من الطين والحجارة، ومتينة بشكل يُظهر براعة البناء العُماني التقليدي.و الغرف والمجالس مثل مجلس الإمام ، وغرف النوم ، وغرف الحراس، والمخازن ، وكلها موزعة بشكل يضمن حسن الأداء الإداري والعسكري.كما تضم القلعة بئرًا عميقة كانت تمد السكان بالماء العذب ، بالإضافة إلى مرافق للطبخ والاستحمام. لم تكن قلعة الرستاق مجرد حصن دفاعي، بل كانت مركزًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا، حيث اتخذها العديد من الأئمة مقرًا لحكمهم، وأداروا منها شؤون البلاد في أوقات السلم والحرب. وقد لعبت دورًا بارزًا في مقاومة البرتغاليين والغزاة، وكانت شاهدًا على العديد من المعارك والتحولات في التاريخ العماني.شهدت القلعة عدة مراحل من الترميم ، كان أبرزها في العصر الحديث ضمن جهود وزارة التراث والسياحة في سلطنة عمان للحفاظ على الهوية العمانية ومعالمها التاريخية ، وتم تزويدها بالمرافق التي تجعلها وجهة سياحية وتعليمية مهمة، حيث يمكن للزوار التجول داخلها واستكشاف غرفها وممراتها ومعارضها.و تُعد القلعة اليوم من أبرز المعالم السياحية في سلطنة عمان، حيث تستقطب الزوار من داخل السلطنة وخارجها، وتنظم في محيطها فعاليات تراثية وثقافية، تعكس حياة العمانيين قديمًا، مثل عروض الفنون التقليدية، والحرف اليدوية، والمأكولات الشعبية.و ختامًا قلعة الرستاق ليست مجرد مبنى أثري، بل هي سجلّ حيّ لتاريخ سلطنة عمان المجيد، ومثال على الإرث المعماري والدفاعي الذي أبدعه العمانيون عبر العصور ، زيارتها تمنح الزائر رحلة عبر الزمن، وتكشف له عن عراقة بلدٍ صنع التاريخ واحتفظ بكنوزه للأجيال القادمة.

بواسطة
عائشة سليمان القرطوبي
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?