الثقافة والفنون

أبواب الأمل لا تُرى

في خضم الحياة حيث تتزاحم الأخبار وتتسارع الأحداث، يجد الإنسان نفسه أحيانًا أمام أيام ثقيلة وأسئلة كثيرة عن الغد، تتبدل الظروف وتتأخر بعض الأمنيات، وتأتي مواقف لم تكن في الحسبان، فيشعر القلب بالتعب ويبحث عن مساحة من السكينة تعيده إلى المعنى الأهم، أن وراء هذا الكون ربًا حكيمًا، يعلم ما خفي، ويرى ما نعجز عن شرحه، ويعرف حاجاتنا قبل أن تتحول إلى كلمات، في تلك اللحظات تحديدًا يظهر معنى الأمل بالله، فالأمل أعمق من انتظار أمنية أو التعلق بحدوث أمر معين، إنه يقين يمنح القلب قدرة على الاستمرار، ويجعل الإنسان قادرًا على النظر إلى الحياة بعين أكثر هدوءًا، حتى عندما تبدو الطرق ضيقة، قد لا نعرف ما الذي ينتظرنا غدًا، وقد نعجز عن فهم سبب بعض الأحداث، إلا أن هذا العجز الإنساني لا يعني غياب الحكمة، ما نجهله حاضر في علم الله، وما نعجز عن تفسيره يجري وفق تقدير لا يخطئ.وحين يسكن هذا اليقين في القلب تتغير طريقة الإنسان في التعامل مع الحياة، فيصبح البلاء مساحة للصبر والتأخير فرصة لتعميق الثقة، والخسارة تجربة تحمل درسًا، والفرص القادمة رزقًا له موعده، عندها لا يعود المستقبل مصدرًا دائمًا للخوف، لأن الإنسان يدرك أن الغيب الذي يقلقه معلوم عند الله، وأن ما يبدو له طريقًا مجهولًا هو جزء من تدبير محكم، ومن أعظم النعم التي يمكن أن يعيشها الإنسان أن يشعر بالأمان مع الله، فالأمان الحقيقي لا يرتبط بما يملكه الإنسان من مال أو ممتلكات، ولا بما يحيط به من أسباب تمنحه شعورًا مؤقتًا بالاستقرار، فكل هذه الأمور قابلة للتغير، وقد تتبدل في لحظة، أما الطمأنينة التي تنشأ من الثقة بالله فهي أعمق أثرًا؛ لأنها تمنح القلب سندًا لا يرتبط بتقلبات الدنيا.يكفي أن يعرف الإنسان أن له ربًا يسمع دعاءه، ويرى ضعفه، ويعلم حزنه، ويفهم ما يعجز عن التعبير عنه، كم من شخص ظن أن أبواب الحياة أغلقت أمامه، ثم اكتشف بعد فترة أن بابًا آخر كان يُفتح له في مكان مختلف، وكم من إنسان عاش أيامًا طويلة تحت ضغط الانتظار، ثم جاءه الفرج بطريقة لم تخطر له، وكم من دعاء خرج من قلب مثقل بالهم، ثم ظهرت ثماره في الوقت الذي كان صاحبه أحوج ما يكون إليه، فرحمة الله قد تأتي في صورة حدث نراه ونفهم أثره، وقد تظهر في أمر لم يحدث أصلًا، فأحيانًا يكون الخير في طريق لم نسلكه، وفي فرصة لم نحصل عليها، وفي باب أُغلق رغم إصرارنا عليه، والإنسان ينظر إلى اللحظة التي يعيشها، أما الله سبحانه وتعالى فيعلم الطريق كله، ويعلم أين تقود الخطوات، وما الذي ينتظر في نهاية كل اختيار.كم مرة تعلق الإنسان بأمر ظنه الخير الكامل، ثم مرت السنوات واكتشف أن عدم حصوله عليه كان نعمة خفية؟ وكم مرة حزن على فقدان فرصة أو انتهاء علاقة أو تغير مسار، ثم فهم لاحقًا أن ذلك التحول أنقذه من تعب طويل؟ بعض صور الرحمة لا تظهر لحظة وقوعها؛ تحتاج إلى وقت حتى تتضح ملامحها، وحينها ينظر الإنسان إلى الماضي بعين مختلفة، ويقول في نفسه: لعل ما ظننته خسارة كان عناية، ولعل الباب الذي أحزنني إغلاقه كان يحمل خلفه حماية لا أعرفها، ومن هنا يأتي حسن الظن بالله، حسن الظن لا يعني أن يتوقف الإنسان عن السعي أو ينتظر النتائج دون عمل، فالإنسان مطالب بأن يتحرك، ويجتهد، ويخطط، ويأخذ بالأسباب، ويواجه مسؤولياته بشجاعة، ثم بعد ذلك يضع النتائج بين يدي الله بقلب مطمئن، يفعل ما يستطيع، ويترك ما يتجاوز قدرته لمن بيده الأمر كله.نحن في زمن يحتاج فيه القلب إلى هذه الطمأنينة أكثر من أي وقت مضى، الأخبار تتوالى، والمخاوف تتسع، والإنسان يسمع كل يوم ما يجعله يفكر كثيرًا في المستقبل، وقد يتحول التفكير إلى قلق يستنزف طاقته ويحرمه من لحظته الحاضرة، هنا يأتي اليقين بالله ليعيد ترتيب المشاعر، ويذكر الإنسان بأن المستقبل لا يُدار بالخوف، وأن كثرة التفكير لا تمنحنا قدرة على معرفة الغيب، فإذا ضاقت بك الحياة تذكر أن الضيق مهما طال يظل مرحلة من مراحل الطريق، وإذا تأخرت أمنية عزيزة، تذكر أن التوقيت الذي تتمناه قد يختلف عن التوقيت الذي يحمل لك الخير، وإذا شعرت بانكسار داخلي، فتذكر أن الله يعلم هذا الانكسار بكل تفاصيله، ويعلم مقدار ما تخفيه خلف ابتسامتك وصمتك.وقد تأتي الرحمة بصورة بسيطة جدًا؛ كلمة طيبة في وقتها، إنسان صادق يقف إلى جوارك، فرصة جديدة، موقف يغير طريقة تفكيرك، دعاء تشعر بعده براحة، أو قوة مفاجئة تجدها في نفسك بعد أن ظننت أنك لم تعد قادرًا على المواصلة، أحيانًا يكون الفرج تحولًا صغيرًا في البداية، ثم يكبر أثره مع مرور الأيام حتى ندرك أن الله كان يهيئ لنا الطريق خطوة بعد خطوة، لذلك لا نحصر رحمة الله في صورة محددة، قد ننتظر شيئًا معينًا، بينما يأتي الخير من جهة أخرى تمامًا، قد نبحث عن إجابة بطريقة واحدة، ثم نفاجأ بأن الإجابة جاءت في شكل مختلف، وقد نظن أن النجاة تعني تغير الظروف فورًا، بينما تكون النجاة أحيانًا في منحنا الصبر والقوة حتى نعبر الظروف بأقل قدر من الخسائر، فهنا يولد الأمل من جديد، وهنا يجد القلب أمانه حين تتغير الأشياء، وهنا تظهر الرحمة في أوسع صورها، حين ندرك أن عناية الله قد ترافقنا حتى في اللحظات التي نعجز فيها عن رؤيتها.فما ظنكم برب العالمين؟ أحسنوا الظن بالله، واجتهدوا في حياتكم، وخذوا بالأسباب، وافعلوا ما تستطيعون، ثم اتركوا ما يتجاوز قدرتكم لله، لا يشترط أن تعرفوا كيف ستأتي الإجابة، ولا من أي طريق سيصل الفرج، ولا متى سيتغير المشهد، يكفي أن تعرفوا من تدعون، ومن تضعون بين يديه مخاوفكم وأمنياتكم.قد يطول الانتظار، وقد تتعثر بعض الخطوات، وقد تمر أيام تحتاجون فيها إلى كثير من الصبر، لكن القلب الذي يعرف ربه يستطيع أن يواصل السير، إنه يتعب ثم يستعيد قوته، ويحزن ثم يجد مساحة للأمل، ويخاف ثم يتذكر أن الأمر كله بيد الله، وما دام الله رب العالمين فهناك دائمًا سبب يدعو إلى الرجاء، ومساحة تستحق الطمأنينة، ورحمة يمكن أن تصل إلينا من حيث لا نتوقع، قد تكون الأيام ثقيلة وقد تبدو بعض الأبواب عصية على الفتح، إلا أن قدرة الله أوسع من حساباتنا، وفضله أكبر من توقعاتنا، فاطمئنوا إلى الله وأحسنوا الظن به، وواصلوا طريقكم بهدوء، لا تجعلوا الخوف يكتب قصة المستقبل قبل أن تبدأ، ولا تسمحوا لتجربة مؤلمة أن تقنعكم بأن القادم يحمل الألم نفسه، لكل يوم تفاصيله، ولكل مرحلة حكمتها، ولكل دعاء وقته الذي يعلمه الله، فربما يكون الفرج أقرب مما تتصورون، وربما يكون الخير الذي تبحثون عنه في طريق مختلف تمامًا، وربما يأتيكم من باب لم تفكروا يومًا في طرقه.وحينها ستعرفون أن الأمل الذي حملتموه لم يكن انتظارًا فارغًا، وأن الطمأنينة التي حفظت قلوبكم كانت نعمة، وأن حسن الظن بالله كان نورًا يقودكم في أكثر الطرق غموضًا، فهنا الأمل حين تضيق الحياة، وهنا الأمان حين تكثر المخاوف، وهنا الرحمة حين يثقل القلب، فامضوا وقلوبكم معلقة بالله، واعملوا بما تستطيعون، واتركوا له ما لا تستطيعون، فرب العالمين أرحم بعباده من كل تصور، وأوسع فضلًا من كل أمنية، وأعلم بما يصلح لهم من علمهم بأنفسهم، ومن عرف الله حق المعرفة، وجد في قلبه سكينة تعينه على عبور الأيام، مهما طال الطريق ومهما تأخر الوصول.

بواسطة
صالح بن سعيد الحمداني
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?