الثقافة والفنون

القرارات التي تسبق النوم لا تستيقظ معنا

هناك قرارات نتخذها في آخر الليل، حين يهدأ كل شيء من حولنا، وتبقى أرواحنا وحدها في مواجهة أفكارها. قرارات تبدو في تلك اللحظة حاسمة، لا رجعة فيها، وكأننا أخيرًا امتلكنا الشجاعة لنقول: يكفي. نقرر أن نبتعد، وأن ننسى، وأن نقاطع، وأن نغلق أبوابًا أتعبنا الوقوف عندها طويلًا. نعد أنفسنا بأن الغد سيكون مختلفًا، وأننا لن نعود إلى الوجع نفسه مرة أخرى.ثم ننام.ونستيقظ في الصباح، فنجد أن القرار الذي كان صلبًا كالصخر قد أصبح هشًّا أمام أول ذكرى، وأول رسالة، وأول صوت، وأول شعور بالحنين.كأن الليل يمنحنا شجاعة مؤقتة، وكأن النوم يمحو شيئًا من غضبنا، ثم يعيد إلينا في الصباح قلوبنا القديمة بكل ضعفها وحنينها وقدرتها الغريبة على التسامح.كم من مرة قررنا قبل النوم ألا نتحدث مع شخص جرحنا، ثم استيقظنا ننتظر رسالته؟ وكم من مرة أقسمنا أن ننسى، ثم كانت أول فكرة في الصباح هي عنه؟ وكم من علاقة أعلنّا نهايتها في أعماقنا، ثم عدنا إليها لمجرد أن القلب لم يكن مستعدًا للنهاية كما كان العقل يظن؟ربما لأن الليل لا يجعلنا أكثر حكمة، بل أكثر صدقًا مع وجعنا. ففي الليل تتكاثر الأفكار، وتكبر التفاصيل الصغيرة، وتبدو الخيبات أثقل مما هي عليه. وعندما نكون متعبين، تصبح قراراتنا متعبة مثلنا؛ قاسية أحيانًا، ومندفعة أحيانًا أخرى.لذلك ليست كل القرارات التي نتخذها قبل النوم قرارات يجب أن ننفذها مع شروق الشمس.بعضها يحتاج إلى أن ينام معنا، وأن يستيقظ بعد أن تهدأ أرواحنا، وأن نمنحه فرصة أخرى للنظر إليه بعين أقل غضبًا وأكثر وعيًا. فليس كل ما نشعر به في لحظة يستحق أن يتحول إلى مصير، وليس كل وجع عابر يستحق أن ينهي علاقة، وليس كل غضب يستحق أن يتحول إلى كلمة لا يمكن استعادتها.هناك قرارات يجب أن نؤجلها حتى يهدأ القلب، لأن القلب المتعب قد يبالغ في الهروب، والعقل المرهق قد يظن أن الابتعاد هو الحل الوحيد. أما الصباح، ففي كثير من الأحيان، يمنحنا مساحة أوسع للفهم، ويعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية.لا تتخذ قرارًا كبيرًا وأنت غاضب، ولا تكتب نهاية وأنت موجوع، ولا تغلق بابًا لأن الليل أقنعك بأن خلفه لا شيء يستحق البقاء.نم أولًا.ودع القرار ينام معك.فإن استيقظ معك في الصباح بالقوة نفسها، وبالقناعة نفسها، والهدوء نفسه، فربما كان قرارًا حقيقيًا يستحق أن يُتخذ.أما إذا استيقظت وقد تبدلت مشاعرك، وخف غضبك، ورأيت الأمر بصورة مختلفة، فاحمد الله أنك لم تجعل لحظة عابرة تقرر عنك عمرًا كاملًا.ختامًا…بعض القرارات التي تولد في الليل ليست قرارات خاطئة، لكنها تحتاج إلى ضوء النهار حتى نعرف إن كانت تستحق أن تستيقظ معنا أم لا.للتواصل مع الكاتبة tahra.alshamsi74@gmail.com

بواسطة
طاهرة الشامسي
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?