
- سياق المعيش السياسي الرّاهن مكّنني من خلاصتين من ضمن جملة من الملاحظات والقناعات. لكن أردت أن أذكر نقطتين في علاقة بالإخوان: أولا في علاقة بالمسألة الأخلاقية، وثانيا في علاقة بنوستالجيا الحكم التيوقراطي... في علاقة بالمسألة الأخلاقية، وعلى جداري، ومن خلال هذه الصفحة، أتأكد ويتأكد جميع المتابعين أن الأخلاق هي آخر نقاط قوة الإخوان. الجماعات الإسلامية، على اختلاف عناوينها، بمجرد أن تختلف معهم، -هم الذين يتحدثون دائما عن المظلومية، هم الذين يصمون آذاننا بحالات القهر، وسرديّات حالات القمع والظلم التي عاشوها تحت الأنظمة العربية-، بمجرد أن تختلف معهم، يمارسون عليك: السحل، تهجم لا اخلاقي، هبوط قيمي لا مثبل له، حالة من الوحشية غير المسبوقة، هذا، في إطار السجلّ السياسي.. فبمجرد أن تنقد إيران مثلاً، تنهال عليك الحجارة، بل ينهال عليك المنجنيق من أبغض الكلمات والأوصاف، والنعوت الخادشة للحياء، فقط لأنك اختلفت معهم، فقط لأنك تجرأت على النقد. وهذا يفضح الطبيعة ااديكتاتورية الإستبدادية العنفية العفنة لهذه الجماعات. المسألة الثانية في علاقة بالموقف من إيران. الموقف من إيران، بقطع النظر عن السياقات الخاصة بالعلاقات الدولية، وبقطع النظر عن مسألة القانون الدولي ومسألة الشرعية، بقطع النظر عن كل هذا ،،، يفضح الإنتصار للنظام الايراني، حقيقة الرغبات المكبوته للإخوان، ورغباتهم في بناء دولة أوتوقراطية، دولة دينية مستبدة. يعني بعبارة أوضح، بناء على هذا الموقف، الإخوان يخاتلون في البلدان العربية، يخفون أهدافهم، يخفون مهجتهم... وفي حقيقة الأمر، هم لا يسعون إلا لتأسيس الدولة التيوقراطية، الدولة الدينية المتخلفة على الشاكلة الايرانية.




بين الخوف من الاستبداد وسهولة الاتهام ردي على مقالة
الدكتورة ليلى الهمامي بعنوان حلم الإخوان في بناء دولة مستبدة على الشاكلة الإيرانية
ليست المشكلة في أن تخاف من الاستبداد ، بل في أن ترى صورته مكتملة في ذهنك ثم تبحث له عن وجوه . تقول إنهم يحلمون بدولة على شاكلة إيران وأن مواقفهم تكشف رغبة دفينة في بناء نظام ديني مغلق .
هذا استنتاج خطير ليس لأنه مستحيل ، بل لأنه يحتاج إلى ما هو أكثر من الغضب ليثبت .
نعم ، هناك خطاب إقصائي يظهر عند بعض المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين ، ونعم ، هناك ممارسات على الأرض خصوصا في الفضاء الرقمي
تكشف هشاشة في تقبل النقد ، وانزلاقا سريعا نحو التخوين والتجريح .
لكن هل هذا يكفي لنقول إن الحلم واحد ، وأن المشروع محسوم ،
وأن الجميع يسير في اتجاه دولة استبدادية واحدة .
المشكلة في هذا النوع من الطرح أنه يقفز من السلوك إلى النية ، ومن التجربة الجزئية إلى الحكم الكلي .
حين يتحول النقاش إلى هؤلاء يريدون دولة دينية متخلفة ، فنحن لا نصف واقعا , نحن نغلق باب فهمه .
الحقيقة أكثر إرباكا داخل هذه التيارات نفسها ، هناك من يرى في الدين مرجعية قيمية ، لا سلطة قهرية . وهناك من يخلط بين الدعوي والسياسي .
وهناك من يتعلم ببطء من أخطاء التجربة . وهناك أيضا من يكررها .
تماما كما في أي تيار آخر .
أما الاستدلال بالموقف من إيران ، فهو قراءة ممكنة لكن ليست وحيدة . السياسة ليست مرآة نقية للنوايا ، بل شبكة مصالح، حسابات، اصطفافات ، وأحيانا أخطاء فادحة في التقدير .
أن تدعم جهة ما، لا يعني بالضرورة أنك تريد أن تصبح مثلها ، كما أن معارضتها لا تعني أنك نقيضها الكامل . النقطة الأخطر في خطابك ليست النقد ، بل التعميم . لأن التعميم يريحك يجعل العالم بسيطا ، مقسما بين من يفهم ومن يخاتل ، بين من يريد الحرية ومن يتآمر عليها .
لكن الديمقراطية، إن كنا نبحث عنها فعلا ، لا تبنى بهذه الثنائية . هي لا تقوم على افتراض سوء النية ، بل على اختبار السلوك . من يلتزم بقواعدها، يحاسَب داخلها . ومن ينقلب عليها ، يواجه بالقانون لا بالتصنيف المسبق.
الخوف من الدولة الدينية مشروع ، والتحذير من الاستبداد واجب، لكن تحويل تيار كامل إلى مشروع مؤامرة يجعلنا نقع في نفس المنطق الذي نرفضه.
في النهاية ، ليست المشكلة فيهم فقط , بل في الطريقة التي نراهم بها .
لأننا، حين نختصرهم ، قد نكون بدأنا نختصر الديمقراطية نفسها .
كومندادور واصل محفوض الديب
ساو باولو — برازيل