تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار

بعد التقاعد.. هل ينتهي العطاء أم يبدأ؟

اقرأ في هذا المقال
  • في لحظة التقاعد، يظن البعضُ أنَّه بلغ نهاية الطريق، تُطوى صفحة العمل، ويخفتُ إيقاع الحياة، وتقلُّ المسؤوليَّات. لكنَّ الحقيقة التي تكشفها التجارب، أنَّ التقاعد ليس نهاية الدور، بل بدايته الحقيقيَّة... حين يتحرَّر الإنسانُ من قيود الوظيفة، ويواجه ذاته بسؤالٍ عميق: ماذا سأقدِّم الآن؟ فالمتقاعد لا يفقد قيمته بخروجه من العمل، بل تتجلَّى قيمته الحقيقيَّة فيما يملكه من خبرة، وما يختزنه من تجارب، وما يحمله من وعيٍ تشكَّل عبر سنوات طويلة. هذه الثروة المعرفيَّة لا ينبغي أنْ تُركن إلى الهامش، بل يمكن أنْ تتحوَّل إلى طاقة فاعلة تُسهم في بناء المجتمع. في واقعنا، نرى نماذج مشرِّفة لمتقاعدين اختارُوا أنْ يكونوا جزءًا من المشهد، لا على هامشه؛ فمنهم من انخرط في العمل التطوعيِّ، يقدِّم وقته وخبرته في خدمة الآخرِين، ومنهم من أصبح موجِّهًا ومرشدًا للشباب، ينقل لهم خلاصة تجربته، ويوفِّر عليهم كثيرًا من العثرات. كما اتَّجه بعضُهم إلى الاستشارات، أو المشروعات الصغيرة، محوِّلين سنوات العمل إلى فرص جديدة للعطاء والإنتاج. هذا التحوُّل لا ينعكس على الفرد فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله. فالمجتمعات التي تستثمر خبرات المتقاعدين، تمتلك ميزةً نوعيَّةً تتمثَّل في تراكم المعرفة واستمراريَّة الخبرة، وهو ما يعزِّز من تماسكها ونضجها. ومع ذلك، فإنَّ تحقيق هذا الدور يتطلَّب شراكة بين الفرد والمؤسسات. فكما أنَّ المتقاعد مطالب بإعادة اكتشاف ذاته، فإنَّ المؤسسات مدعوةٌ إلى توفير منصَّات ومبادرات تستوعب هذه الطاقات، وتوجهها نحو مجالات ذات أثر حقيقيٍّ، سواء في العمل التطوعيِّ، أو الإرشاد المهنيِّ، أو البرامج الاجتماعيَّة. إنَّ التحدِّي الحقيقي لا يكمن في التقاعد ذاته، بل في طريقة النظر إليه؛ هل هو نهاية مرحلة، أم بداية مرحلة أكثر عمقًا وحريَّة؟ وهنا يظهر الفرق بين مَن ينسحب بهدوء، ومَن يختار أنْ يواصل الحضور بصورة مختلفة. التقاعد لا يختبر القدرة على العمل... بل يختبر معنى الإنسان. فمن كان عطاؤه مرتبطًا بالوظيفة، سيتوقَّف... ومَن كان عطاؤه نابعًا من داخله، سيستمر. وفي هذا المعنى، تتجلَّى المسؤوليَّة الاجتماعيَّة في أبهى صورها، حين يتحوَّل العطاء من واجبٍ وظيفيٍّ إلى قيمة إنسانيَّة خالصة. فالوظائف تنتهي... لكنَّ الإنسان حين يعي دوره، لا يتقاعد عن العطاء.
بواسطة
اللواء م علي حسن الزهراني
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?