
- في غزة، لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بعدد الضربات التي تهز الجدران، وصرخات الأمهات، وأزيز الطائرات الذي لا يهدأ. هناك، لا تُفتح نوافذ الصباح على موسيقى الحياة، بل على دخان الرماد، وأشلاء أحلامٍ لم تكتمل. غزة ليست مجرد عنوان في نشرات الأخبار، أو رقمًا في إحصاءات الضحايا. إنها وطن من وجع، مدينة من صبر، وأيقونة بقاء، تقف على شفا الموت كل يوم ولا تسقط. في شوارعها المحاصرة، يُولد الأطفال على وقع الانفجارات، ويكبرون وهم يتعلمون أن الحياة في وطنهم لا تشبه حياة أي مكان آخر. في غزة، الطفولة محاصرة، والمدارس تتحول إلى ملاجئ، والمستشفيات تنبض بألمٍ لا دواء له سوى العدالة. هناك، تُكتب رسائل الحب تحت القصف، وتُرسم اللوحات على الجدران المهدّمة، ويُزرع الورد في حدائق البيوت التي كانت يومًا... ثم صارت أثرًا. كل بيت في غزة يحمل قصة. قصة أم فقدت أبناءها، وأب يفتش في الركام عن ألعاب أطفاله، وجدّة تحتضن حفيدها كأنها تحميه من العالم بأسره. لكنّ الغزّيين لا يتقنون فقط فنّ الحزن، بل أيضًا فنّ الحياة، فيُقيمون الأعراس بين الأنقاض، ويحيون الأمل وسط ظلال الرماد. هل سألنا أنفسنا يومًا: ماذا يعني أن تُولد في غزة؟ أن تولد في مكانٍ مُحاصر من الجهات الأربع، بلا مطار، بلا ميناء، بلا أفق مفتوح سوى السماء التي أحيانًا لا تُمطر سوى نارًا. أن تحلم وأنت تعرف أن حلمك قد يُهدم في لحظة، وأن تنام دون أن تعرف إن كنت ستستيقظ على وجه أمك، أو على ضوء صاروخ. ورغم ذلك، لا تنكسر غزة. لأن فيها شعبًا يُشبِه الزيتون، كلما اقتلعوه، عاد أكثر تجذرًا. يُشبِه البحر، كلما حاولوا حصره، عاد وملأ الأرض ملوحة وكرامة. غزة لا تحتاج إلى دموعنا، بل إلى وعي العالم بوجعها. إلى صوتٍ لا يخاف أن يقول: إن العدالة ليست شعارًا، بل حقٌ يُنتزع. إلى صحافة تنقل الألم لا بعدسات السياسة، بل بعدسات الإنسانية. إلى قلوب لا تبرر القتل، ولا تصمت على الظلم. في غزة، يموت الناس لأنهم اختاروا أن يبقوا. يُحاصرون لأنهم لا يرضون أن ينسوا، ولا أن يُنسوا. يُقصفون لأنهم يرفضون أن تتحول قضيتهم إلى خبرٍ عابر، أو إلى "أزمة" تُستهلك ثم تُنسى. غزة... ليست قضية فلسطينية فقط، بل اختبارٌ لضمير الإنسانية. وما لم نتعامل معها كإنسان قبل أن تكون جغرافيا، سنبقى نعيد نفس المأساة... بجدرانٍ جديدة، وسكوتٍ أعمق. رحم الله من رحل، وصبّر من بقي، وأيقظ فينا ما تبقى من ضمير.



