
- في تصعيد لافت وغير معتاد، خرج رجل الأعمال السوري غسان عبود بتصريحات مباشرة أثارت جدلًا واسعًا، واضعًا وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في قلب المشهد، ليس كمسؤول ضمن الحكومة، بل—وفق تعبيره—كـ“مركز القرار الفعلي” الذي تمر عبره جميع مفاصل الدولة. لم تكن هذه التصريحات مجرد رأي سياسي عابر، بل جاءت بنبرة حاسمة، حين أكد عبود أن الشيباني “هو من يقود كافة الوزارات في الحكومة السورية الجديدة، وأنه لا يتم اتخاذ أي إجراء إلا بعد موافقته”. جملة واحدة كانت كفيلة بإشعال نقاش كبير: هل نحن أمام حكومة تقليدية بمؤسساتها، أم أمام إدارة مركزية تُختصر في شخص واحد؟ هذا الطرح، بصراحته وحدّته، يكسر أحد أهم “المحرمات غير المعلنة” في الخطاب السياسي، حيث نادرًا ما يتم الحديث بهذه المباشرة عن توزيع السلطة داخل الحكومات. والأهم أنه لا يأتي من معارض تقليدي أو محلل سياسي، بل من رجل أعمال يملك علاقات واسعة وخبرة طويلة في قراءة التوازنات، ما يمنح كلامه وزنًا مختلفًا، حتى وإن كان مثيرًا للجدل. تصريحات عبود تضع صورة مغايرة تمامًا للمشهد الرسمي. فبدلًا من حكومة متعددة الصلاحيات، يرسم ملامح “نقطة تحكم واحدة”، حيث تصبح الوزارات—باستثناء السيادية منها—مجرد واجهات تنفيذية تنتظر الإشارة قبل اتخاذ أي خطوة. سواء كان هذا الوصف دقيقًا أو مبالغًا فيه، فإن مجرد طرحه بهذا الشكل العلني يحمل رسالة ثقيلة: هناك خلل، أو على الأقل انطباع بوجود خلل، في بنية القرار داخل الدولة. لكن ما يزيد من حساسية هذه التصريحات ليس فقط مضمونها، بل توقيتها أيضًا. فخروج عبود بهذا الخطاب الآن يوحي بأن ما كان يُقال خلف الكواليس بدأ يتحول إلى مواجهة علنية. في السياسة، هذا التحول يعني أن مرحلة الرسائل غير المباشرة انتهت، وأن الأطراف بدأت تلجأ إلى الرأي العام كأداة ضغط، وربما كوسيلة لإعادة رسم موازين القوى. غير أن هذا التصعيد السياسي يتقاطع مع ملف آخر لا يقل إثارة، وهو ملف التبرعات والعمل الإنساني. فقد أُعلن سابقًا عن مساهمة مالية ضخمة من عبود لصالح “حملة الوفاء لإدلب” بقيمة 55 مليون دولار، وهو رقم أثار اهتمامًا واسعًا. إلا أن هذا الإعلان لم يمر دون تساؤلات، حيث برزت شكوك وانتقادات حول مدى انعكاس هذه الأرقام على الواقع، وما إذا كانت قد ترجمت فعلًا إلى مشاريع واضحة وملموسة على الأرض. هنا تحديدًا تبدأ معادلة المصداقية. فحين يخرج رجل أعمال بتصريحات حادة ضد شخصيات في موقع القرار، فإن سجله—خصوصًا في العمل الإنساني—يتحول تلقائيًا إلى جزء من النقاش العام. بعض المتابعين يرون أن الأرقام المعلنة كبيرة، لكن أثرها غير واضح بنفس الحجم، ما يفتح الباب أمام اتهامات بأن جزءًا من هذه المبادرات قد يكون أقرب إلى “الرسائل الإعلامية” منه إلى العمل الفعلي. في المقابل، لا يمكن إنكار أن العمل في الملف السوري معقد للغاية، وأن إيصال المساعدات أو تنفيذ المشاريع يواجه تحديات ميدانية وسياسية كبيرة. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الرأي العام اليوم أكثر تدقيقًا، وأقل تقبّلًا للفجوة بين الإعلان والتنفيذ، خاصة عندما يتعلق الأمر بأرقام ضخمة وتصريحات عالية السقف. المفارقة الأبرز أن عبود، الذي ينتقد ما يصفه بتركيز القرار في يد شخصية واحدة، يجد نفسه في موقع يتطلب منه أيضًا إثبات أن تأثيره يتجاوز حدود التصريحات. فالمعادلة لم تعد تُقاس بحجم الكلام، بل بقدرة صاحبه على تحويله إلى نتائج ملموسة. في المحصلة، ما يطرحه غسان عبود لا يتوقف عند حدود انتقاد شخصية سياسية، بل يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الحكم، وحدود الشفافية، ودور الفاعلين من خارج المؤسسات الرسمية. وبين اتهاماته بوجود “مركز قرار واحد”، والتساؤلات حول “التبرعات الكبيرة”، تتشكل صورة مركبة لرجل يجمع بين النفوذ المالي والحضور الإعلامي، لكنه يواجه اختبارًا حقيقيًا في المصداقية. فهل نحن أمام بداية مواجهة أوسع داخل المشهد السوري؟ أم أن هذه التصريحات ستبقى ضمن إطار الضجيج الإعلامي؟ ما هو مؤكد أن ما قيل هذه المرة لم يعد عابرًا، بل بات جزءًا من معركة روايات مفتوحة، عنوانها: من يملك القرار… ومن يملك الحقيقة؟



