الثقافة والفنون

الإحسان تعامل وليس تبادلعائشة الفارسية

الإحسان يعتبر من أعلى مراتب العبادة والدين، وهو تعامل وصفة جميلة نحافظ عليها، وقد ورد ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث جبريل الطويل، حين سأله عن الإحسان، فقال النبي ﷺ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم].سمعت عبارة مرة من أحد الأشخاص ونحن نتحدث عن الإحسان، يقول فيها: ليس كل من نحسن إليه يستطيع أن يرد الجميل، وهذه العبارة لو تأملناها جيدًا نكتشف أنها راحة عظيمة لنفوسنا، فهي تعيد ترتيب علاقتنا بالناس، وتحرر قلوبنا من قيود الانتظار.فهنا يجب ألا نستخدم الإحسان كالتجارة، ونحوله من عبادة إلى صفقة، فيكون مرتبطًا بالأخذ والعطاء، ويصبح معروفنا معلقًا برد فعل الآخرين، فالإحسان الحقيقي هو سلوك نابع من داخلنا، وفعل يصدر ويعبّر عن معدننا الأصيل، لا نحسبه ولا ننتظر من ورائه مكافأة؛ لأن من يقوم بهذا العمل النبيل يكون قد أحسن أولًا مع نفسه؛ لأنه أبى أن يكون بخيلًا، وأحسن مع ربه؛ لأنه أيقن أن الله يراه قبل عيون البشر.والإحسان أخلاق وتعامل، وليس تبادلًا، وهناك فرق بين التعامل والتبادل، فالتبادل هو أن نتبادل العطاء؛ نعطي اليوم ونحن ننتظر أن يعود إلينا المقابل غدًا، وننتظره، وإن لم يعد نشعر بالحزن والتحسر، وأما التعامل فهو أسمى من المقايضة، وأبعد عن الحسابات، إنه فعل يصدر عن أصلنا وطبعنا، وشيء نابع من قناعة بأن كرامة المعطي لا تقل عن حاجة الآخذ، وأننا نفعل الخير لأننا نريد أن نكون محسنين، لا لأن الآخرين سيكافئوننا.نفعل الخير لأن أيدينا تعودت العطاء، وقلوبنا تعودت السخاء، وأرواحنا تعودت أن ترى في وجه المحتاج طريقًا إلى الله، لا فاتورة دين، وهنا نقدر أن نفهم معنى، ليس كل من نحسن إليه يستطيع أن يرد الجميل؛ فالبشر منهم من يمر بظرف أو ضيقة مالية تمنعه، فيتمنى أن يرد الجميل فلا يستطيع، ومنهم من خانته الذاكرة فيمضي في دنياه ناسيًا أن يدًا امتدت له يومًا، ومنهم من تنقصه المروءة فيقابل النعمة بالنكران.ولو راقبنا كل صنف من البشر لتحول إحساننا إلى مرارة، وعطاؤنا إلى ندم، ولكن الفهيم والحكيم منا هو من يضع أجره عند من لا ينسى ولا يظلم، فيُحسن؛ لأن الإحسان بلا انتظار رد يصنع منا إنسانًا حرًا، لا يملكه مدح ولا يكسره ذم؛ لأننا نعرف ثواب ما نعمله في السماء لا في الأرض، وأجره عند ربنا لا عند الخلق.وبذلك نمشي في دروب الحياة خفيفين، لا نحمل في قلوبنا دفترًا ندون فيه ونحاسب به الناس: من وفى ومن نسي، بل نمضي ولسان حالنا يقول: أحسنا لأن الله أمرنا أن نكون كذلك، ولأن الجنة دار المحسنين، وثمرة هذا الإحسان حتى في الدنيا أنها تعود علينا بسكينة في قلوبنا لا نستطيع أن نشتريها بمال، ورضا في نفوسنا لا يهزه موقف، وهيبة في عيون الناس؛ لأنهم يعرفون أننا نعطي ولا نُذل، ونبذل ولا نَمُنّ.فيدعون لنا دعاءً لا يُرد، وربما أُغلقت في وجوهنا الأبواب، فإذا بباب من السماء يُفتح لنا برزق لم نحتسبه، وبفرج لم نخطط له؛ لأن الجزاء من جنس العمل، ومن أحسن أحسن الله إليه وأغناه.فلنجعل إحساننا عبادة.

المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?