الثقافة والفنونالخواطر

عندما تكبر الأحلام أسرع من الفرص…

أحيانًا لا يحتاج الشاب إلى من يخبره بأن عليه أن يحلم، فهو يحلم بالفعل ولا يحتاج إلى من يقول له: «طوّر نفسك»، فقد أمضى سنوات في الدراسة والتدريب، وتعلم ما استطاع، وحاول أن يواكب عالمًا يتغير كل يوم ما يحتاجه أحيانًا هو سؤال أكثر بساطة وصدقًا: أين الفرصة؟

هذه ليست دعوة إلى التشاؤم، ولا اعتراضًا على واقع الحياة الذي يفرض على الإنسان أن يجتهد ويصبر ويبدأ من الصفر إذا لزم الأمر. لكنها محاولة للنظر إلى الصورة كاملة، بعيدًا عن العبارات الجاهزة التي نكررها كثيرًا عندما نتحدث عن الشباب وسوق العمل.

نقول للشاب: طوّر مهاراتك.
وأقول: نعم.
نقول له: لا تنتظر الوظيفة.
وأقول: نعم.
نقول له: اتجه إلى ريادة الأعمال.
وأقول: نعم، ولكن…

ماذا عن البيئة التي سيستخدم فيها كل هذه المهارات؟ وماذا عن الفرص التي سيختبر فيها قدرته؟ وماذا عن الخريج الذي يُطلب منه أن يمتلك الخبرة قبل أن يحصل على فرصة تمكنه من اكتسابها؟

هنا تحديدًا تكمن إحدى المفارقات التي تستحق أن نتوقف عندها.

نحن نعيش في زمن تتغير فيه الوظائف بسرعة، وتظهر فيه تخصصات جديدة، ويتقدم فيه الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة بصورة لم يعد من الممكن تجاهلها. وهذا يفرض على الشاب أن يتعلم باستمرار، وأن يكون مستعدًا لتغيير أدواته وربما مساره المهني أكثر من مرة.

لكن التعليم نفسه يجب أن يواكب هذه التحولات.

لا يكفي أن يتخرج الطالب وهو يحمل شهادة؛ السؤال الحقيقي هو: هل يحمل معها معرفة عملية ومهارات تمكنه من الدخول إلى سوق العمل بثقة؟

وهنا لا أعتقد أن من الإنصاف أن نضع المسؤولية كلها على الشاب.

نعم، الشاب مسؤول عن تطوير نفسه، وعن استثمار وقته، وعن البحث عن الفرص وعدم الاستسلام. لكن المؤسسات التعليمية، وأصحاب العمل، والجهات المعنية بالتدريب والتوظيف، جميعها مسؤولة عن بناء جسر واضح بين التعليم وسوق العمل.

فالخريج لا يحتاج فقط إلى أن نخبره بأن المستقبل مختلف.

إنه يحتاج إلى أن نساعده على فهم هذا المستقبل.

والأمر لا يتعلق بالتوظيف وحده. هناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي نظرتنا الاجتماعية إلى بعض المهن والمسارات.

لماذا نعتبر وظيفة معينة نجاحًا، وننظر إلى أخرى وكأنها أقل قيمة؟

ولماذا نربط أحيانًا قيمة الإنسان بالمسمى الوظيفي الذي يحمله؟

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف النجاح.

فالنجاح ليس في المكتب الفخم، ولا في المسمى الكبير، ولا في أن يسير الإنسان في الطريق الذي اختاره له الآخرون. النجاح في أن يجد الإنسان مجالًا يستطيع أن ينتج فيه، ويتطور، ويؤمن من خلاله مستقبلًا كريمًا لنفسه وأسرته.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن نبيع للشباب وهمًا آخر اسمه «ريادة الأعمال».

ريادة الأعمال خيار مهم، لكنها ليست وصفة تصلح للجميع. ليس كل شاب قادرًا على تأسيس مشروع، وليس كل مشروع صغير قابلًا للاستمرار. ومن يريد أن يبدأ مشروعًا يحتاج إلى معرفة وتمويل وإرشاد وسوق يستطيع أن ينافس فيه.

لذلك، نحن بحاجة إلى خيارات متعددة، لا إلى وصفة واحدة نطلب من الجميع اتباعها.

نحتاج إلى وظيفة، وإلى مشروع، وإلى تدريب، وإلى تعليم مهني وتقني، وإلى مسارات جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات.

وأهم من ذلك كله، نحتاج إلى أن نستمع إلى الشباب أنفسهم.

ليس من الصعب أن نتحدث عن الشباب في المؤتمرات والندوات. الأصعب هو أن نجلس معهم ونسمع ما يقلقهم، وما الذي يمنعهم من التقدم، وما الذي يحتاجونه فعلًا.

لأن الشاب ليس رقمًا في إحصائية، ولا اسمًا في قائمة انتظار.

خلف كل اسم قصة.

هناك من يعيل أسرة، وهناك من ينتظر فرصة منذ سنوات، وهناك من يحمل فكرة مشروع لكنه لا يعرف كيف يبدأ، وهناك من اضطر إلى العمل في مجال بعيد عن تخصصه، وهناك من قرر أن يصنع طريقه بنفسه رغم كل الصعوبات.

هؤلاء لا يحتاجون إلى الشفقة.

يحتاجون إلى فرصة.

وفي سلطنة عُمان، الحديث عن الشباب ليس حديثًا عن المستقبل فقط. الشباب جزء من الحاضر، ومن قدرتهم على العمل والإنتاج والمبادرة تتشكل ملامح المرحلة القادمة.

لذلك، فإن الاستثمار فيهم يجب ألا يكون مجرد شعار جميل نردده في المناسبات.

الاستثمار الحقيقي هو أن نمنح الشاب تعليمًا جيدًا، وتدريبًا حقيقيًا، وفرصة عادلة، وبيئة تسمح له بأن يجرب، وأن يخطئ، وأن يتعلم، ثم يحاول مرة أخرى.

لا أعتقد أن الشباب يريدون طريقًا مفروشًا بالوعود.

ولا أعتقد أنهم ينتظرون أن تُفتح لهم كل الأبواب دون جهد.

ما يريدونه، في أبسط صورة، هو أن تكون هناك أبواب حقيقية يمكن طرقها.

فالطموح وحده لا يكفي.

والشهادة وحدها لا تكفي.

والتدريب وحده لا يكفي.

والفرصة وحدها لا تكفي.

لكن عندما تجتمع هذه العناصر، يصبح الشاب قادرًا على أن يفعل ما هو أكبر من البحث عن وظيفة: أن يصنع لنفسه مكانًا، وأن يضيف شيئًا إلى مجتمعه، وأن يشعر بأن جهده لم يذهب سدى.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: «لماذا لا يعمل الشباب بما يكفي؟»

بل سؤالًا آخر أكثر إنصافًا:

هل وفرنا لهم المساحة الكافية ليعملوا، ويجربوا، ويخطئوا، وينجحوا؟

قد لا تكون الإجابة سهلة.

لكن الأسئلة الصعبة هي التي تفتح الأبواب التي لا تفتحها الإجابات الجاهزة.

وفي النهاية، لا أريد أن أقول للشاب إن المستقبل سيكون سهلًا.

أريد فقط أن أقول له شيئًا أكثر واقعية:

اجتهد، تعلّم، حاول، ولا تنتظر أن يأتيك الطريق كاملًا. لكن من حقك أيضًا أن تجد أمامك طريقًا يستحق أن تسلكه.

بواسطة
أثير بنت محمد السعدية
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?