الثقافة والفنونالخواطر

حين نختار الهدوء

في زحام الحياة وتسارع أيامها يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاصرًا بأعباء تفوق قدرته على الاحتمال، يحمل مسؤوليات كثيرة، ويخوض مواقف تستنزف طاقته، ويستمر في علاقات أو التزامات تمنحه القلق أكثر مما تمنحه الراحة، ومع مرور الوقت قد يعتاد هذا الشعور حتى يصبح الضغط جزءً من يومه، فينسى أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه بصدق « لماذا أستمر في هذا الأمر؟ وهل يستحق كل هذا القلق والتعب»؟ في كثير من الأحيان نتمسك بأشياء اعتدنا وجودها في حياتنا، حتى عندما تصبح مصدرًا للإرهاق، نخشى التغيير، أو نخاف من ردود أفعال الآخرين، أو نشعر بالذنب عندما نفكر في الابتعاد، ومع ذلك فإن الاستمرار في طريق يستنزفنا يحتاج إلى مراجعة، لأن الإنسان يحتاج إلى مساحة يعيش فيها بسلام، ويشعر فيها أنه قادر على أن يكون نفسه دون خوف أو ضغط دائم.

لا تجبر نفسك على شيء يسرق هدوءك، لا تجعل رغبتك في إرضاء الآخرين سببًا لإهمال احتياجاتك ومشاعرك، ولا تسمح للضغوط بأن تدفعك إلى طريق لا يشبهك، ولا يمنحك إحساسًا حقيقيًا بالرضا، فالحياة أقصر من أن نقضي سنوات طويلة في محاولة الحصول على قبول الآخرين، بينما نخسر في المقابل راحتنا وسلامنا الداخلي، هناك في الحياة أمور تستحق أن نبذل من أجلها الوقت والجهد وأن نصبر عليها حتى نصل إلى ما نريد، وهناك أمور أخرى لا تحتاج إلى كل هذا العناء، ويكون الابتعاد عنها أكثر حكمة من الاستمرار فيها، والمشكلة أحيانًا أننا نخلط بين الأمرين؛ فنقاتل من أجل ما يستنزفنا، ونترك ما يستحق منا الصبر والمحاولة.

لهذا اجعل لنفسك قاعدة بسيطة وواضحة «الشيء الذي لا يسعدني، لا يلزمني»، هذه القاعدة لا تعني أن نهرب من كل مسؤولية، أو أن نبحث عن حياة خالية من التعب والتحديات، فكل حياة تحمل واجباتها، وكل طريق يحتاج إلى الصبر والعمل، فالمقصود أن نتعلم كيف نفرّق بين التعب الذي يقودنا إلى شيء يستحق، والتعب الذي يستهلكنا دون أن يترك في حياتنا معنى أو قيمة، وتأمل بعض الأمور التي اعتدت قبولها رغم أنها تثقل قلبك، ما جدوى الاستمرار في أمر يجعلك تعيش يومك تحت وطأة القلق؟ وما قيمة علاقة تجعلك في حالة توتر مستمر، وتجعلك تفكر في كل كلمة تقولها خوفًا من رد فعل الطرف الآخر؟ وما الحاجة إلى السعي الدائم خلف رضا الناس إذا كان الثمن أن تفقد رضاك عن نفسك؟ فالإنسان يحتاج إلى علاقات تمنحه الشعور بالأمان، وإلى أشخاص يستطيع أن يتحدث معهم دون أن يشعر بأنه مضطر للدفاع عن نفسه طوال الوقت، ويحتاج كذلك إلى بيئة تساعده على النمو، وتمنحه مساحة للتعبير عن ذاته، وتقدّر وجوده وجهده، وحين تتحول العلاقة أو المكان أو الالتزام إلى مصدر دائم للضغط، فمن حق الإنسان أن يعيد النظر في مدى ملاءمته له.

تعلم أن تقول «لا» عندما تكون «نعم» عبئًا عليك، فرفض بعض الأمور لا يجعلك شخصًا قاسيًا، كما أن وضع حدود واضحة لا يعني أنك تكره الآخرين، وأحيانًا تكون كلمة «لا» وسيلة لحماية وقتك وطاقتك وراحتك، وحين تعرف متى تقولها، ستكتشف أن احترامك لذاتك يبدأ من قدرتك على معرفة ما يناسبك وما يتجاوز قدرتك، وتعلم أيضًا أن تبتعد عندما يصبح القرب مصدرًا دائمًا للقلق، بعض المسافات تمنحنا فرصة لاستعادة توازننا، وبعض الأبواب يكون إغلاقها بداية لمرحلة أكثر هدوءً، قد تشعر في البداية بالتردد أو الحزن، خاصة عندما تكون قد اعتدت وجود أشخاص أو أماكن أو ظروف معينة، ثم تكتشف مع الوقت أن الابتعاد كان خطوة ضرورية لاستعادة نفسك، واحفظ قلبك من الاستنزاف وامنح نفسك حقها في الراحة ولا تجعل حياتك سلسلة متواصلة من محاولات إثبات قيمتك للآخرين، فقيمتك لا تتوقف على إعجاب أحد بك، ولا تحتاج إلى موافقة الجميع حتى تشعر أنك تستحق الاحترام والتقدير، فالعمر يمضي سريعًا والوقت الذي نهدره في أماكن لا نشعر فيها بالأمان والطمأنينة يصعب استعادته، فحاول أن تختار معاركك بعناية وأن تمنح طاقتك لما يستحقها فعلًا، واهتم بما يمنح حياتك معنى، وبالأشخاص الذين يضيف وجودهم إليك شعورًا جميلًا، وبالأهداف التي تجعلك تنظر إلى المستقبل بشغف وأمل.

وأحيانًا يكون أجمل قرار يمكن أن تتخذه هو أن تختار نفسك، تفعل ذلك بهدوء دون ضجيج ودون حاجة إلى شرح كل خطوة لكل من حولك، تختار راحة بالك عندما يصبح الاستمرار مرهقًا، وتختار كرامتك عندما تشعر أن وجودك في مكان ما يقلل منك، وتختار سلامك الداخلي عندما تدرك أن بعض الأشياء لا تستحق كل هذا القلق، واختيار نفسك لا يعني أن تصبح أنانيًا وإنما يعني أن تدرك أن لك حقًا في حياة تشعر فيها بالطمأنينة، فلك حق في الراحة وفي العلاقات المتوازنة، وفي الوقت الذي تقضيه بعيدًا عن الضغوط، ولك حق في أن تتغير، وأن تعيد ترتيب أولوياتك، وأن تترك خلفك ما لم يعد يناسب المرحلة التي وصلت إليها، تذكر أن كل ما يأخذ من روحك أكثر مما يمنحها يحتاج إلى وقفة صادقة، وما يسلب منك سلامك يستحق أن تعيد التفكير في بقائه في حياتك، وما يمنحك الطمأنينة ويقربك من نفسك ويضيف إلى أيامك معنى يستحق منك الاهتمام والرعاية.

ما لا يسعدك لا يلزمك وما يستنزفك لا يجب أن تمنحه عمرك كله، اختر ما يمنح قلبك سلامًا، واترك ما يثقل روحك، وامضِ في حياتك بخفة أكبر، ووعي أعمق، وثقة بأن راحة الإنسان واحدة من أثمن الأشياء التي تستحق أن يحافظ عليها.

بواسطة
صالح بن سعيد الحمداني
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?