حين يصطدم الخطاب السياسي بذاكرة الشعوب… هل يمكن القول إن تاريخ تركيا خالٍ من المجازر والإبادات؟

في كل مرة يخرج فيها مسؤول سياسي ليؤكد أن تاريخ بلاده “خالٍ من الإبادة الجماعية والمجازر والاحتلال والظلم”، يشتعل الجدل مجددًا، ليس على منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل في الأوساط الأكاديمية والسياسية أيضًا.فالتاريخ لا يُكتب بالتصريحات، ولا تُمحى صفحاته بالخطابات، لأن ذاكرة الشعوب أطول عمرًا من أي خطاب سياسي، ولأن الوثائق والأبحاث والشهادات تبقى حاضرة مهما تغيرت الحكومات.واليوم، وبينما يتصدر هذا التصريح عناوين الأخبار، تطرح مجلة المشرق العربي عبر arabmashreq.com سؤالًا مشروعًا: هل يمكن فعلًا وصف التاريخ العثماني والتركي بأنه خالٍ من المجازر والإبادات الجماعية؟الإجابة ليست سياسية، بل تاريخية.الحقيقة أن التاريخ العثماني، كما هو حال تاريخ معظم الإمبراطوريات الكبرى، شهد فترات ازدهار وإنجازات حضارية كبيرة، لكنه شهد أيضًا حروبًا وصراعات وأحداثًا دموية وثقتها مصادر تاريخية وأكاديمية متعددة، ولا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة شعوب كاملة.ومن أبرز تلك الأحداث ما يُعرف بمجزرة التلل في مدينة حلب عام 1517، والتي ترتبط بدخول السلطان سليم الأول إلى بلاد الشام، حيث تذكر روايات تاريخية وقوع عمليات قتل جماعي استهدفت آلافًا من أبناء الطائفة العلوية والشيعة، ولا تزال هذه الحادثة جزءًا من الذاكرة التاريخية لدى تلك المكونات.وفي الفترة ذاتها تقريبًا، شهدت الأناضول حملات واسعة ضد القزلباش والعلويين بين عامي 1514 و1517، في سياق الحرب العثمانية الصفوية، حيث تحدث مؤرخون عن عمليات قتل وإعدام وتهجير واسعة.كما تشير دراسات عديدة إلى تعرض جماعات علوية، عبر مراحل مختلفة من العهد العثماني، لأشكال من التمييز والإقصاء الديني والاجتماعي، وهو ما ترك آثارًا امتدت لقرون.ومع نهاية القرن التاسع عشر، وقعت المجازر الحميدية بين عامي 1894 و1896، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأرمن وفق تقديرات تاريخية مختلفة.ثم جاءت أحداث أضنة عام 1909، التي شهدت مقتل أعداد كبيرة من الأرمن، لتزيد من التوتر الذي سبق سنوات انهيار الدولة العثمانية.أما أحداث عام 1915، فهي تبقى من أكثر القضايا التاريخية إثارة للجدل. فبينما تعترف بها دول وبرلمانات عديدة باعتبارها إبادة جماعية بحق الأرمن، ترفض تركيا هذا الوصف، وتعتبر أن الضحايا سقطوا في ظروف الحرب العالمية الأولى والانهيار الداخلي للدولة العثمانية.وخلال الفترة نفسها، تعرض السريان والآشوريون والكلدان لما يُعرف باسم “سيفو”، وهي عمليات قتل وتهجير واسعة تعدها جهات عديدة جزءًا من المآسي التي أصابت الأقليات المسيحية في تلك المرحلة.كما شهد اليونانيون البنطيون، بين عامي 1914 و1923، عمليات قتل وتهجير قسري لا تزال حتى اليوم محل خلاف سياسي وقانوني بين تركيا وعدد من الدول.وفي عام 1922، شهدت مدينة إزمير (سميرنا) واحدة من أكثر المحطات دموية مع الحريق الكبير الذي أعقب انتهاء الحرب اليونانية التركية، وما رافقه من مقتل ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين.ولم تتوقف المآسي مع قيام الجمهورية التركية، إذ شهدت منطقة درسيم بين عامي 1937 و1938 حملة عسكرية ضد سكانها من الأكراد العلويين، أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وهي أحداث اعترف مسؤولون أتراك لاحقًا بأنها شكلت صفحة مؤلمة من تاريخ الجمهورية.وفي عام 1955، شهدت إسطنبول اعتداءات واسعة استهدفت ممتلكات اليونانيين والأرمن واليهود، وأدت إلى موجات هجرة كبيرة غيرت التركيبة السكانية للمدينة.لكن في المقابل، ومن باب الإنصاف التاريخي، فإن الأتراك والمسلمين أيضًا تعرضوا خلال حروب البلقان والحرب العالمية الأولى لمجازر وعمليات تهجير وسقط منهم مئات الآلاف من الضحايا. ولذلك فإن قراءة التاريخ بعدالة تقتضي الاعتراف بآلام جميع الشعوب، لا انتقاء جزء من الرواية وإهمال الجزء الآخر.إن الاعتراف بالماضي لا يعني إدانة الأجيال الحالية، كما أن إنكار الوقائع لا يغير من وجودها. فالدول القوية ليست تلك التي تدعي الكمال، بل التي تمتلك الشجاعة لمراجعة تاريخها بكل ما فيه من إنجازات وأخطاء.ولهذا، فإن أي تصريح يؤكد أن التاريخ التركي أو العثماني “خالٍ تمامًا من المجازر والإبادات” يصطدم بكم كبير من الوثائق والدراسات والذاكرة الجمعية لملايين الأرمن والسريان والآشوريين واليونانيين والعلويين والأكراد وغيرهم.إن احترام الضحايا لا يهدد مستقبل الدول، بل يعزز قيم العدالة والإنسانية.ولذلك، يبقى التاريخ أكبر من السياسة، وأصدق من الشعارات، وأقوى من أي خطاب مؤقت.ولنا رأي…ليس الهدف من استحضار هذه الصفحات إشعال الكراهية أو محاكمة الحاضر بأخطاء الماضي، وإنما الدفاع عن حق الضحايا في الذاكرة، وعن حق الأجيال في معرفة التاريخ كما هو، بعيدًا عن الإنكار أو التقديس. فالتاريخ لا يصبح أكثر نقاءً عندما نحذف ضحاياه، بل يصبح أكثر إنسانية عندما نرويه كاملًا، بكل ما فيه من انتصارات وآلام.



