غير ذلك

شاورما سورية بأيدٍ مصرية… والإتقان لا يحمل جنسية

لم يكن في برنامجي أن أكتب عن مطعم، ولا أن أخوض تجربة نقدية في عالم الطعام. كل ما في الأمر أنني كنت خلال مشوار في منطقة الخوير، وحين حان وقت الغداء قررت التوقف عند مطعم يحمل اسم «الباشا السوري».دخلت المكان متوقعًا أن أجد طاقمًا سوريًا يقف خلف سيخ الشاورما، لكن المفاجأة كانت أن الشيف ومعظم العاملين مصريون. وبشيء من المزاح الممزوج بالفضول، سألت:«هذه الشاورما سورية أم مصرية؟»لم يكن سؤالي عن جنسية من يُعدّ الطعام بقدر ما كان عن هوية النكهة؛ فالشاورما السورية لها مذاقها الخاص وتفاصيلها التي يعرفها السوريون جيدًا. كما أنني، بصراحة، لم أجد منذ فترة طويلة محل شاورما استطاع أن يقنعني بطعمه كما ينبغي.هناك تعرّفت إلى الشيف أبو يزن، الذي استقبل سؤالي بثقة وابتسامة، ولم يدخل في شرح طويل أو محاولة لإقناعي بالكلام، بل اكتفى بعبارة قصيرة وحاسمة:«ذوق وقرّر».وكانت تلك العبارة بداية المفاجأة الحقيقية.من اللقمة الأولى، تجاوز الطعم توقعاتي. كانت الشاورما متقنة، والنكهة متوازنة، والتجربة تحمل روح الشاورما السورية رغم أن من أعدّها شيف مصري. عندها أدركت أن إتقان المهنة لا يرتبط دائمًا بجنسية صاحبها، بل بمدى احترامه لما يقدمه وحرصه على تعلم أسراره وأدق تفاصيله.لكن ما لفت انتباهي أكثر من الطعم كان النظافة؛ فهي بالنسبة إليّ المعيار الأول في تقييم أي مطعم. قد يكون الطعام لذيذًا، لكن إذا غابت النظافة فقدت التجربة قيمتها بالكامل. وفي «الباشا السوري» كانت النظافة الواضحة والاهتمام بالمكان وطريقة التعامل مع الطعام عوامل منحتني الثقة قبل أن يكتمل حكمي على المذاق.هذه التجربة البسيطة حملت في داخلها معنى أكبر من وجبة غداء. فقد تكون الوصفة سورية، ومن ينفذها مصريًا، والمكان على أرض سلطنة عُمان، لكن النتيجة الناجحة يصنعها الإخلاص في العمل. فالطعام، مثل الفن، يستطيع أن يجمع الثقافات ويختصر المسافات بين الشعوب.دخلت المطعم بحثًا عن وجبة غداء، وخرجت منه بقصة دفعتني إلى كتابة مقال خارج دائرة اهتماماتي المعتادة. وربما كان أبو يزن محقًا حين قال: «ذوق وقرّر»؛ لأن بعض الأشياء لا تحتاج إلى كثير من الكلام، بل إلى تجربة صادقة تترك أثرها بنفسها.في النهاية كانت الشاورما سورية، والأيدي مصرية، والمكان عُمانيًا… أما الإتقان، فلا يحمل جنسية.

بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?