تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار

ضياع البوصلة: المواطن العربي بين تشتت القرار وتهميش الحقيقة

اقرأ في هذا المقال
  • في العالم العربي، تتكدس الأزمات الاقتصادية كما تتكدس الوعود، ويتأرجح المواطن بين طموحٍ يعلو وحديثٍ رسميٍ لا يُثمر. يعيش الفرد العربي اليوم وسط واقعٍ اقتصاديٍ خانق، تتداخل فيه القرارات الحكومية دون تنسيق، وتتضارب فيه سياسات الوزارات كأنها جزرٌ معزولة لا يجمعها وطن واحد. وبينما تتحدث الخطط الرسمية عن التنمية والإصلاح، يزداد الشعور العام بأن المواطن آخر من يُؤخذ في الحسبان. في وقتٍ تتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية وتزداد معاناة المواطن العربي، تبدو الحكومات العربية وكأنها تدور في حلقة مفرغة من القرارات المرتبكة والتخطيط المنفصل، حيث تعمل كل وزارة وكأنها دولة مستقلة داخل الدولة، بلا تنسيق أو رؤية مشتركة. المواطن اليوم يقف في مواجهة واقع صعب، بين ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل، وبين وعود رسمية متكررة لا تجد طريقها إلى التنفيذ. ما يعمّق الأزمة هو غياب التناغم المؤسسي بين الوزارات، فوزارة التخطيط تضع استراتيجيات بعيدة عن احتياجات سوق العمل، ووزارة التعليم تُخرّج تخصصات لا تجد مكانًا في السوق، ووزارة الاقتصاد تسنّ قرارات مالية لا تتوافق مع السياسات الاجتماعية، بينما تُترك وزارة الإعلام على الهامش دون دور فاعل في التوعية أو الرقابة أو نقل نبض الشارع. هذه الفوضى في إدارة الشأن العام لا تخلق سوى نتائج متضاربة، وتُهدر المال العام، وتُضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. أما الإعلاميون والصحفيون، الذين يُفترض أن يكونوا الجسر بين المواطن والمسؤول، فقد جرى تهميشهم وإقصاؤهم في كثير من البلدان. لم يعد يُسمح لهم بطرح الأسئلة الحقيقية أو كشف مواطن الخلل، وأصبح الوصول إلى المعلومة أو المسؤول معركة بحد ذاتها. حين يُهمّش الإعلام، تضيع الحقيقة، وتفقد الحكومات أحد أهم أدواتها في الإصلاح والمساءلة والشفافية. إن الخلل ليس في نقص الإمكانيات، بل في غياب التنسيق والإرادة. الإصلاح لا يبدأ من إطلاق الشعارات أو تشكيل اللجان، بل من وجود قيادة تُدرك أن التنمية لا تتحقق إلا من خلال التكامل بين مؤسسات الدولة، والاستماع الجاد إلى أصوات الميدان، واحترام دور الإعلام كعينٍ للرأي العام ولسانٍ للحقيقة. المواطن العربي لا يطلب المعجزات، بل يريد أن يرى دولة تخطط بعقل، وتعمل بروح الفريق، وتضع رفاهه في مقدمة أولوياتها. حين تتوحد الرؤية وتُستعاد الثقة، يمكن حينها أن يبدأ الطريق نحو غدٍ عربيٍّ أكثر عدلًا واستقرارًا.
بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?