// تونس في قلب إعادة تشكيل الدولة: عندما تتصارع القوى القديمة مع نظام سياسي يولد من رحم الأزمة//

ما يحدث في تونس اليوم لا يمكن اختزاله في صراع بين رئيس ومعارضة، أو بين تيار سياسي وآخر. فمن منظور علم السياسة والاجتماع السياسي والعلاقات المدنية و العسكرية، تبدو البلاد أمام إعادة ترتيب عميقة لموازين القوة، ومصادر الشرعية، ووظائف الأحزاب، وحدود المؤسسات، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
فمنذ 2021، انتقلت تونس من نظام تعددي شديد التشظي، كانت فيه الرئاسة والحكومة والبرلمان والأحزاب مراكز متداخلة لصناعة القرار، إلى نظام أكثر تركيزًا للسلطة التنفيذية حول مؤسسة الرئاسة. وقد كرّس دستور 2022 هذا التحول ومنح رئيس الجمهورية موقعًا أقوى داخل السلطة التنفيذية، وجعله القائد الأعلى للقوات المسلحة. لكن التحول لا يُقرأ سياسيًا فقط !!.
فالمجتمع التونسي، رغم اختلافاته السياسية والاجتماعية والجهوية، يظل متماسكًا نسبيًا من حيث الهوية الوطنية، وهو ما أبقى الدولة الوطنية الإطار الجامع للتناقضات.
// ليست فوضى… بل إعادة تموضع//
عندما ينهار توازن مؤسسي قديم قبل أن يستقر توازن جديد، تدخل الدولة في مرحلة يمكن وصفها بـ إعادة الاصطفاف المؤسسي. الأحزاب تبحث عن موقع جديد، والنخب القديمة عن منافذ للبقاء، والنخب الصاعدة عن الشرعية، والمؤسسات عن حدود اختصاصاتها، بينما تحاول السلطة المركزية إعادة بناء قدرتها على التحكم في المجال السياسي والإداري.
لذلك لم يعد السؤال فقط: من يحكم؟، بل أصبح: من يملك قواعد اللعبة الجديدة؟.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة بين «مع» و«ضد».
نحن أمام صراع بين منظومات نفوذ مختلفة على تعريف شكل المرحلة المقبلة..
//من يملك حق تعطيل الدولة؟.//
في العلوم السياسية توجد فكرة “Veto Players” ، أي القوى التي قد لا تستطيع الحكم بمفردها، لكنها تملك القدرة على تعطيل القرار أو إبطائه أو التأثير في اتجاهه.
في الحالة التونسية، نجد الرئاسة والإدارة والقضاء والقوى الحزبية القديمة والجديدة والاتحاد العام التونسي للشغل ومراكز المصالح الاقتصادية والمجتمع المدني، إلى جانب المؤسسات الأمنية والعسكرية بوصفها مؤسسات دولة لا أحزابًا سياسية.
ولا تتحرك هذه القوى بالضرورة وفق أجندة واحدة. فالدولة ليست شخصًا واحدًا، بل شبكة من المؤسسات والقواعد والمصالح والقيادات. وعندما ينتقل النظام من توازن سياسي إلى آخر، تبدأ هذه الشبكة كلها في إعادة ترتيب مواقعها.
// الشرعية أيضا ليست رقمًا فقط!!//
بعد 2011 تغيرت قواعد اللعبة السياسية جذريًا، ثم جاءت 25 جويلية 2021 ودستور 2022 لتعيد تركيز السلطة حول مؤسسة الرئاسة.
وفي الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، فاز قيس سعيّد بنسبة 90.69% من الأصوات، لكن نسبة المشاركة لم تتجاوز 28.79% وفق هيئة الانتخابات.
وهنا تظهر فكرة فجوة الشرعية: فالفوز القانوني والانتخابي لا يعني بالضرورة استعادة ثقة سياسية واجتماعية واسعة ، وهذا أحد أسباب استمرار التوتر؛ إذ لا يتعلق الصراع فقط بمن يملك السلطة، بل بمدى قدرة النظام الجديد على إنتاج قبول مستقر له.
//فترة ما بين نظامين//
في الأدبيات السياسية تسمى هذه المرحلة أحيانًا “Interregnum ” ، أي الفترة الواقعة بين نظامين: نظام قديم فقد قدرته على العودة بالشكل نفسه، ونظام جديد لم يكتمل بعد.
والفراغ السياسي لا يبقى فراغًا؛ إذ تدخل إليه النخب والمؤسسات والمصالح الاجتماعية والاقتصادية، ويحاول كل طرف التأثير في شكل النظام الذي سيتبلور.
حتى التاريخ الفرنسي يقدم مثالًا على ذلك : فالثورة الفرنسية لم تنتقل مباشرة إلى الاستقرار، بل مرت بسنوات من الصراع والاضطراب قبل انقلاب 18 برومير سنة 1799 وصعود نابليون، ثم قيام الإمبراطورية سنة 1804.
والدرس هنا ليس في نابليون، بل في حقيقة أن سقوط منظومة لا يعني اكتمال المنظومة البديلة.
فالدولة تحمل ماضيها داخل حاضرها: موظفين، قوانين، ثقافة سياسية، شبكات مصالح، مؤسسات وذاكرة جماعية. ولذلك فإن إعادة بناء النظام تكون عادة أطول وأكثر تعقيدًا من لحظة إسقاط القديم.
// زمن النهضة كقوة مهيمنة انتهى//
في هذا السياق يمكن القول بوضوح إن زمن النهضة كقوة سياسية مهيمنة على تونس انتهى. ولا يعني ذلك انتهاء الإسلام من المجتمع، ولا اختفاء الإسلام السياسي من المنطقة. فالدراسات حول تجربة النهضة تربط تراجعها بمشكلات في الحوكمة والقيادة وصنع القرار والرؤية الاقتصادية والتماسك الداخلي، إلى جانب محدودية إدارة المرحلة الانتقالية والتحالفات.
إقليميًا أيضًا تراجع النموذج الذي جعل الإسلام السياسي قوة انتخابية وتنظيمية مركزية في عدد من البلدان، بينما انهار مشروع «الخلافة» الذي أعلنه تنظيم داعش وفقد التنظيم الأراضي التي كان يسيطر عليها، وتراجعت مكانته الإعلامية مقارنة بسنوات تمدده، وإن بقيت له فروع وقدرات على شن هجمات.
لكن انحسار الإسلام السياسي لا يعني اختفاء الدين من المجال العام. المسألة تتعلق بانتهاء احتكار حركة دينية بعينها لتمثيل المجتمع سياسيًا.
والبديل الطبيعي ليس إقصاء الدين، وإنما بناء عقد سياسي يقوم على المواطنة والدولة والقانون وتداول السلطة، بحيث يبقى الدين جزءًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية والثقافية دون أن تحتكر حركة دينية تمثيله السياسي.
//تونس: مجتمع مسلم ودولة تتسع للتنوع//
خصوصية تونس تكمن أيضًا في تركيبتها الاجتماعية. فهي ذات أغلبية مسلمة سنية ساحقة، مع وجود أقليات مسيحية ويهودية وبهائية وشيعية وغير مؤمنة. ويظل الوجود اليهودي في جزيرة جربة كما في حلق الوادي بالضاحية الشمالية للعاصمة من أبرز الأمثلة على استمرار مكوّن ديني تاريخي داخل المجتمع التونسي. كما وقّع ممثلون عن المسلمين والمسيحيين واليهود والبهائيين سنة 2022 ميثاقًا وطنيًا للتعايش السلمي.
وهنا يجب التمييز بين دين المجتمع وطبيعة الدولة السياسية: يمكن أن يكون المجتمع مسلمًا في أغلبيته، دون أن تتحول الدولة إلى ملكية سياسية لحزب ديني.
//حين اهتزّت السلطة…بقيت الدولة//
هنا نصل إلى أحد أكثر عناصر التجربة التونسية حساسية: الأمن والدولة.
الدولة تبدأ في الانهيار عندما تفقد احتكارها المنظم للقوة، وتتعدد مراكز القرار المسلح، وتتضارب سلاسل الأوامر، وتتحول المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى ولاءات سياسية أو شخصية أو فئوية.
وهذا أحد العوامل التي تساعد على تفسير عدم انزلاق تونس إلى نموذج الدولة المنهارة رغم حدة الصراع السياسي.
فمؤسسات القوة السيادية بقيت، إجمالًا، داخل إطار الدولة، ولم تتحول البلاد إلى مجموعة جيوش أو أجهزة أمنية متنافسة.
والتجارب المقارنة في ليبيا واليمن توضح خطورة العكس؛ إذ أدى الصراع على السيطرة على القطاعين الأمني والعسكري إلى تفكك المؤسسات، وظهور قوى مسلحة موازية، وتراجع قدرة الدولة على إنتاج قرار أمني موحد، بما ساهم في الحرب والانقسام.
لذلك فإن الحديث عن قوة القبضة الأمنية ينبغي أن يُفهم مؤسساتيًا: قدرة الدولة على فرض القانون، ومنع الفراغ الأمني، وحماية السيادة؛ لا باعتبارها مرادفًا للقمع.
//قوة المؤسسة لا قوة الأشخاص//
في العلوم العسكرية، تمثل “Unity of Command “أي “وحدة القيادة” عنصرًا أساسيًا في تماسك المؤسسة: وضوح سلسلة الأوامر، والانضباط، ووحدة الغاية.
ولهذا يجب أن يبقى الجيش التونسي والحرس الوطني والأمن مؤسسات وطنية متماسكة، مهما اختلفت وظائفها القانونية والعملياتية.
لا يكون الولاء للأشخاص، ولا للأحزاب، ولا للحكومات، بل للوطن والدولة والجمهورية والقانون.
فهذه ليست مسألة تقنية، بل مسألة وجود دولة.
الجيش ليس طرفًا في المعركة السياسية، والحرس الوطني ليس جناحًا لأي سلطة، والأمن ليس ملكًا لحكومة، والدولة ليست غنيمة لمن ينتصر في الصراع.
الدولة هي الشيء الذي يجب أن يبقى بعد أن يذهب الجميع.
//من تفكيك القديم إلى بناء الجديد//
المشكلة ليست في وجود الصراع السياسي ، فهذا جزء طبيعي من السياسة.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل الصراع من المؤسسات السياسية إلى مؤسسات الدولة نفسها، ومن الانتخابات إلى الأجهزة، ومن البرامج إلى الولاءات.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام تونس ليس فقط تحديد من يحكم، وإنما الوصول إلى تسوية مؤسسية مستقرة تحدد حدود السلطة التنفيذية، واستقلال القضاء، ودور البرلمان والأحزاب والنقابات، والعلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسات العسكرية والأمنية.
تونس لم تصل بعد إلى هذه التسوية النهائية، لكن العودة إلى نقطة البداية أصبحت أكثر صعوبة؛ لأن المجتمع تغير، والنخب تغيرت، وموازين القوة تغيرت.
وفي النهاية، يمكن للأحزاب أن تتصارع، وللحكومات أن تتغير، وللرؤساء أن يذهبوا ويأتوا.
أما مؤسسات الدولة، فيجب أن تبقى.
فانقسام مؤسسات القوة هو اللحظة التي يتحول فيها الصراع السياسي إلى خطر على وجود الدولة نفسها.
لقد انتهت منظومة سياسية كاملة، لكن نهاية المنظومة ليست نهاية التاريخ.
المعركة الحقيقية ليست على من يرث الماضي، وإنما على من سيكتب قواعد المستقبل ، وتونس أمام فرصة نادرة: أن تخرج من هذه المرحلة لا بدولة تنتصر فيها قوة على أخرى، بل بدولة تنتصر فيها المؤسسات على منطق الصراع نفسه.



