عُمان حين تتحول الرؤية إلى فعل… أسبوع المناخ يرسم ملامح مستقبل أكثر استدامة

في وقت لم تعد فيه قضية المناخ شأنًا بيئيًا منفصلًا عن الاقتصاد والسياسة والطاقة ومستقبل المجتمعات، تضع سلطنة عُمان نفسها في قلب النقاش العالمي حول الاستدامة، من خلال أسبوع عُمان للمناخ 2026 الذي تستضيفه مسقط خلال الفترة من 14 إلى 16 سبتمبر، في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، بتنظيم واستضافة هيئة البيئة، تحت شعار يحمل دلالة واضحة: «من الرؤية إلى التنفيذ».
هذا الشعار لا يبدو مجرد عنوان لفعالية دولية، بل يعكس مرحلة جديدة في التعامل مع التحديات المناخية. فالعالم اليوم لم يعد بحاجة إلى مزيد من الخطابات حول أهمية حماية البيئة بقدر حاجته إلى إجراءات واضحة، ومشروعات قابلة للتنفيذ، وشراكات تستطيع نقل الأفكار من قاعات المؤتمرات إلى أرض الواقع.
ومن هنا تأتي أهمية أسبوع عُمان للمناخ؛ فهو يجمع الحكومة والصناعة والعلم في مساحة واحدة، ويفتح الباب أمام الخبراء والمستثمرين والجهات الحكومية والشركات ومقدمي الحلول للبحث في كيفية تحويل الطموحات المناخية إلى فرص اقتصادية وتنموية حقيقية. كما يضم الحدث معرضًا متخصصًا في حلول المناخ والاستدامة، ويستعرض تقنيات مرتبطة بالطاقة النظيفة والمياه والتنقل والاقتصاد الدائري، إلى جانب لقاءات مباشرة بين الشركات وصنّاع القرار والمستثمرين.
واللافت في التجربة العُمانية أن ملف المناخ لا يُطرح باعتباره عبئًا اقتصاديًا، بل بوصفه مجالًا جديدًا للاستثمار والابتكار وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاستمرار. فالتوجه نحو الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والوقود منخفض الكربون، واستخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في إيجاد حلول مناخية، يفتح أمام السلطنة أبوابًا جديدة يمكن أن تجعلها لاعبًا مهمًا في اقتصاد المستقبل.
أسبوع عُمان للمناخ لا يكتفي كذلك بالحديث عن الطاقة والانبعاثات، بل يذهب إلى ملفات أوسع تشمل إدارة النفايات، والاستدامة، والتكيف مع آثار تغير المناخ، والحوكمة البيئية، وبناء القدرات، إلى جانب ورش متخصصة ومؤتمرات استراتيجية وعلمية وقمة للمرأة والمناخ وفعاليات مرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمثل هذه الفعاليات. فالتغير المناخي لم يعد خطرًا بعيدًا ينتظر الأجيال المقبلة، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية، من ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه إلى الضغوط على الأمن الغذائي والطاقة والبنية الأساسية. ولذلك فإن الدول التي تبدأ اليوم في الاستثمار في الحلول المستدامة ستكون أكثر قدرة غدًا على حماية اقتصادها ومجتمعها ومكتسباتها التنموية.
وسلطنة عُمان، بما تمتلكه من موقع جغرافي مهم، وإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، لديها فرصة حقيقية لبناء نموذج تنموي يجمع بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. ولهذا يتقاطع أسبوع عُمان للمناخ بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ومع خارطة طريق السلطنة نحو الحياد الصفري بحلول عام 2050.
لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد المؤتمرات أو الاتفاقيات أو الصور التذكارية، بل بما سيخرج من هذه المنصات من مشروعات قابلة للتنفيذ، وتشريعات داعمة، واستثمارات حقيقية، وفرص للشباب ورواد الأعمال، إضافة إلى رفع وعي المجتمع بأن الاستدامة مسؤولية مشتركة وليست مهمة جهة حكومية واحدة.
القطاع الخاص أيضًا أمام مسؤولية كبيرة؛ فالشركات التي تنظر إلى الاستدامة اليوم كتكلفة إضافية قد تجد نفسها مستقبلًا خارج المنافسة. العالم يتغير، والأسواق تتجه بصورة متسارعة نحو معايير أكثر صرامة في خفض الانبعاثات وكفاءة الطاقة والإفصاح البيئي، وبالتالي فإن الاستثمار في الحلول النظيفة لم يعد خيارًا تجميليًا، بل أصبح جزءًا من القدرة على البقاء والمنافسة.
وما يحسب لسلطنة عُمان أن النقاش المناخي فيها يرتبط بصورة متزايدة بالتنمية الاقتصادية وليس فقط بحماية البيئة. فالتحول الأخضر يمكن أن يخلق وظائف جديدة، ويجذب استثمارات، ويطور صناعات مستقبلية، ويعزز مكانة السلطنة بوصفها مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة والابتكار والاستدامة.
إن عنوان «من الرؤية إلى التنفيذ» ربما يكون الرسالة الأهم التي يحملها أسبوع عُمان للمناخ 2026. فالرؤى مهما كانت طموحة لا تصنع التغيير وحدها، وإنما تصنعه القرارات والاستثمارات والإنسان القادر على تحويلها إلى واقع.
وفي رأيي، فإن الرهان الحقيقي أمام عُمان اليوم ليس في إثبات اهتمامها بالعمل المناخي، فهذا بات واضحًا، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الاهتمام إلى صناعة واقتصاد وفرص عمل ومشروعات مستدامة يشعر المواطن بأثرها مباشرة.
عندما يصبح المناخ جزءًا من القرار الاقتصادي، والاستدامة جزءًا من ثقافة المؤسسات، والطاقة النظيفة فرصة للاستثمار وليست مجرد شعار، عندها فقط يمكن القول إننا انتقلنا بالفعل من الرؤية إلى التنفيذ.
وهذا بالضبط هو الطريق الذي تحاول عُمان أن ترسمه اليوم؛ طريق لا يحمي البيئة فحسب، بل يبني اقتصادًا أكثر مرونة، ويصنع فرصًا للأجيال المقبلة، ويؤكد أن مواجهة التغير المناخي يمكن أن تكون في الوقت ذاته فرصة لبناء مستقبل أفضل.



