الفقر ليس عيباً…

الفقر ليس عيبًا، وإنما العيب أن يتحول المال في أعين الناس إلى ميزانٍ للكرامة، وأن يصبح ما يملكه الإنسان معيارًا للحكم على من يكون.
ليس كل من قلَّ ماله قليلَ الشأن، وليس كل من اتسعت خزائنه واسعَ المقام. فكم من فقيرٍ كان في أعين الناس بسيط الحال، وفي ميزان الأخلاق عظيم القدر؛ وكم من غنيٍّ أحاطته النعمة من كل جانب، ثم لم يجد في نفسه ما يستحق به احترام الآخرين.
إن الفقر ظرفٌ قد يمر بالإنسان، وليس هويةً تلتصق به. قد يولد المرء في بيتٍ لم يعرف من الدنيا إلا القليل، وقد تكاتفت عليه الظروف حتى أصبح يحسب أبسط حاجاته، لكنه مع ذلك يحتفظ بشيء لا تستطيع الفاقة أن تنتزعه منه: عزة النفس.
والفقر لا يختار أصحابه دائمًا، كما أن الغنى ليس دائمًا ثمرةَ عبقريةٍ أو اجتهاد. وراء كل إنسان قصة لا نعرف تفاصيلها، وأبواب أُغلقت في وجهه، وفرص لم تأته، وأيامٌ قاوم فيها الانكسار وهو يبتسم للناس.
فلا تنظر إلى ثوبٍ بسيط وتختصر صاحبه في مظهره، ولا تنظر إلى بيتٍ متواضع فتظن أن أهله أقل شأنًا. فرب بيتٍ صغير تسكنه المحبة، أوسع في النفوس من قصورٍ لا تعرف إلا البرود. ورب رجلٍ لا يملك إلا قوت يومه، يملك من الشهامة والوفاء ما يعجز المال عن شرائه.
وما أوجع الفقر حين يضاف إليه احتقار الناس!
فالحاجة تؤلم، ولكن الإهانة أشد ألمًا.
وقلة ذات اليد تضيق بها الحياة، ولكن نظرة الاستعلاء قد تضيق بها الروح.
ولهذا، فإن أرقى صور العطاء ليست أن تعطي المحتاج شيئًا ثم تشعر أنك أعلى منه، وإنما أن تعطيه وأنت تحفظ له كرامته، وتعينه دون أن تذكّره بعجزه، وتمسك بيده دون أن تجعله يشعر بأنه يقف تحت ظلك.
إننا حين نساعد فقيرًا لا نمنحه فضلًا على إنسانيته؛ بل نؤدي واجبًا إنسانيًا تجاه إنسانٍ مثلنا، له قلبٌ يشعر، ونفسٌ تتألم، وأحلامٌ ربما تكون أكبر من إمكاناته.
ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الفقر أمرٌ محمود أو حالةٌ يُحتفى بها؛ فالفقر حرمان، وقد يسلب الإنسان فرص التعليم والعلاج والعمل والاستقرار. ولذلك ينبغي أن تكون المجتمعات مشغولةً بمحاربة أسباب الفقر، وفتح أبواب العمل والفرص، لا بتصنيف الفقراء أو إلقاء اللوم عليهم.
نحارب الفقر، ولا نحارب الفقير.
نقاوم الحاجة، ولا نكسر المحتاج.
نمد يد العون، ولا نمد يدًا فوقه.
وتذكر دائمًا أن الدنيا لا تثبت على حال؛ فالأيام دول، والأرزاق بيد الله، وما تراه اليوم من تفاوتٍ بين الناس قد يتغير غدًا على نحوٍ لم يكن في الحسبان.
قد يملك الإنسان اليوم مالًا ولا يملك راحة البال، وقد يملك آخر القليل من المال لكنه يملك قلبًا غنيًا بالرضا، ونفسًا عزيزة، وضميرًا لا يساوم عليه.
وفي النهاية، حين تسقط عن الإنسان مظاهر الثراء، وتبقى منه سيرته، لن يسأل الناس كم كان يملك، ولا كم كان قصره واسعًا، ولا كم كان ثمن ثيابه؛ بل سيتذكرون كيف عامل الضعيف، وكيف حفظ كرامة المحتاج، وماذا ترك من أثرٍ طيب في حياة الآخرين.
فلا تجعل المال معيارًا للإنسان، ولا تجعل الفقر سببًا للازدراء.
فقد يخسر المرء ماله ويبقى كريمًا،
وقد يفقد كل ما يملك ويبقى عزيز النفس،
لكن من يخسر أخلاقه وكرامته، فقد خسر ما لا يعوّضه مال الدنيا كلها.
الفقر ليس عيبًا…
إنما العيب أن يكون في قلب الإنسان مالٌ كثير، وإنسانيةٌ قليلة.



