الاعلام والتنمية

سلطنة عُمان تعزز حضورها الدولي في قطاع الطاقة عبر قمة سنغافورة 2026 وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار في الهيدروجين والطاقة المتجددة

كتب: محمد منذر ورد

في خطوة تعكس الحضور المتنامي لسلطنة عُمان على خارطة الطاقة العالمية، وتؤكد توجهاتها الاستراتيجية نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الشراكات الاقتصادية الدولية، شارك معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي، وزير الطاقة والمعادن، في قمة أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة «SIEW 2026»، التي تُعد منصة دولية بارزة تجمع صناع القرار والخبراء وقادة الشركات العالمية لمناقشة مستقبل الطاقة وأمن الإمدادات والتحولات المتسارعة التي يشهدها هذا القطاع الحيوي.

وجاءت المشاركة العُمانية في إطار زيارة رسمية تهدف إلى توطيد العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين سلطنة عُمان وجمهورية سنغافورة، وفتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات الحديثة، بما يعكس حرص السلطنة على بناء شراكات دولية مستدامة تستند إلى المصالح المشتركة وتبادل الخبرات واستقطاب الاستثمارات النوعية.

وشهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات والاجتماعات رفيعة المستوى، أبرزها الاجتماع مع معالي الدكتور تان سي لينغ، الوزير السنغافوري المعني بالطاقة والتجارة والصناعة، إلى جانب لقاءات مع الرئيس التنفيذي لهيئة سوق الطاقة وعدد من رؤساء الشركات السنغافورية العاملة في قطاع الطاقة، حيث تناولت المباحثات سبل توسيع التعاون الاستثماري، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة المتجددة والهيدروجين، فضلًا عن استكشاف الفرص التي يمكن أن تسهم في تأسيس شراكات اقتصادية طويلة الأمد بين البلدين.

وخلال كلمته في القمة، أكد معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي أهمية الحفاظ على انفتاح أسواق الطاقة العالمية وضمان استمرار التدفقات التجارية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق أمن الطاقة واستقرار الأسواق الدولية، في ظل ما يشهده العالم من تحولات اقتصادية وجيوسياسية وتحديات متزايدة تتعلق بأمن الإمدادات واستدامتها.

وأشار معاليه إلى الدور المحوري الذي تؤديه الشراكات الدولية الموثوقة في تعزيز مرونة منظومة الطاقة العالمية، ودعم استقرار الأسواق، وتطوير سلاسل الإمداد، إلى جانب تبادل التقنيات الحديثة والخبرات المتخصصة، بما يساعد الدول على مواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والالتزامات البيئية.

واستعرض معاليه خلال مشاركته المقومات الاستراتيجية التي تتمتع بها سلطنة عُمان في قطاع الطاقة، انطلاقًا من خبراتها المتراكمة في صناعة النفط والغاز، وصولًا إلى إمكاناتها الواعدة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين، وما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وموانئ بحرية ترتبط بالأسواق العالمية، فضلًا عن البيئة الاستثمارية والتنظيمية المستقرة التي توفر فرصًا جاذبة للمستثمرين والشركات الدولية.

وتبرز هذه المقومات قدرة سلطنة عُمان على الانتقال التدريجي نحو منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستدامة، دون إغفال الدور الاقتصادي الذي تؤديه الموارد التقليدية، وهو توجه يعكس رؤية متوازنة تجمع بين الاستفادة من الموارد الحالية والاستثمار في مصادر الطاقة المستقبلية، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 والتوجهات الوطنية الرامية إلى تحقيق الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2050.

كما سلط معالي الوزير الضوء على الجهود الوطنية المبذولة لتوسيع قدرات إنتاج الطاقة المتجددة وتطوير تقنيات تخزين الطاقة، باعتبارها من العناصر الأساسية لتعزيز موثوقية الشبكات الكهربائية واستدامة الإمدادات، خصوصًا مع التوسع المتوقع في الاعتماد على المصادر النظيفة وما يتطلبه ذلك من بنية أساسية متطورة وحلول تقنية مبتكرة.

ولم تقتصر الزيارة على الاجتماعات والمباحثات الرسمية، بل شملت الاطلاع المباشر على عدد من التجارب والمشروعات السنغافورية المتقدمة في مجال الطاقة، حيث زار معاليه مركز ابتكار الهيدروجين والكربون في جامعة سنغافورة الوطنية، وتعرّف على أبرز الأبحاث والتقنيات التي يجري تطويرها في مجالات الهيدروجين وإدارة الكربون، وما يمكن أن تتيحه من فرص للتعاون البحثي والتقني وتبادل المعرفة بين المؤسسات المتخصصة في البلدين.

كما تضمنت الزيارة مجمع تخزين الطاقة الكهربائية بالبطاريات في جزيرة جورونغ، الذي يمثل نموذجًا للتطور التقني في مجال تخزين الكهرباء وتحسين كفاءة أنظمة الطاقة، إلى جانب زيارة محطة الطاقة الشمسية العائمة التابعة لشركة «سيمبكورب» السنغافورية، للاطلاع على تجربتها في توظيف الطاقة المتجددة وحلول التخزين وتعزيز كفاءة منظومة الكهرباء وموثوقيتها.

وتكتسب هذه الزيارات أهمية خاصة في ضوء التوسع الذي تشهده سلطنة عُمان في مشروعات الطاقة النظيفة والهيدروجين، إذ تتيح التجارب الدولية المتقدمة فرصًا لتبادل الخبرات وتطوير الحلول التقنية والاستفادة من النماذج الناجحة في إدارة منظومات الطاقة الحديثة، بما يدعم التوجهات الوطنية نحو رفع كفاءة استخدام الموارد وتعزيز الاستدامة الاقتصادية والبيئية.

وتعكس مشاركة سلطنة عُمان في قمة أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة رؤية استراتيجية تتجاوز حدود التعاون التقليدي في قطاع الطاقة، لتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية القائمة على الابتكار ونقل المعرفة والاستثمار في التقنيات المستقبلية، في وقت أصبحت فيه الطاقة النظيفة والهيدروجين من أبرز القطاعات التي تتنافس الدول على تطويرها واستقطاب استثماراتها.

كما تؤكد هذه المشاركة أن السلطنة تمضي بخطوات مدروسة نحو ترسيخ مكانتها شريكًا دوليًا موثوقًا في أسواق الطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها الطبيعية وخبراتها الصناعية، إلى جانب سياساتها الاقتصادية التي تشجع الاستثمار وتدعم الشراكات طويلة الأمد.

وفي ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، تبرز أهمية مثل هذه المشاركات الدولية في تعزيز الحضور العُماني على منصات صنع القرار الاقتصادي، وإبراز الفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات العالمية، بما يفتح المجال أمام مشروعات جديدة قادرة على توفير فرص العمل ونقل التقنيات ودعم التنويع الاقتصادي.

إن ما تحققه سلطنة عُمان من تقدم في بناء شراكات الطاقة الدولية لا يمثل مجرد توسع في العلاقات الاقتصادية، بل يعكس توجهًا وطنيًا نحو صناعة مستقبل أكثر استدامة، تكون فيه المعرفة والابتكار والاستثمار المسؤول ركائز أساسية للنمو والازدهار.

ومن سنغافورة، تتجدد الرسالة العُمانية إلى العالم بأن السلطنة لا تكتفي بمواكبة التحولات في قطاع الطاقة، بل تسعى إلى أن تكون شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبله، مستندة إلى رؤية طموحة وإمكانات واعدة وشراكات دولية قادرة على تحويل الفرص إلى إنجازات ملموسة تخدم الاقتصاد الوطني وتعزز مكانة سلطنة عُمان على الساحة العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?