الثقافة والفنون

رحلة عودة إلى الذات وسكينة الروح

ربما هي المرة الأولى التي تتلقط فيها زوجتي صورة لي وأنا بعيدٌ تماماً عن طاحونة العمل اليومي وظلال المساءات المجهدة. كانت صورة دافئة تختزل ببراعة واقع انغماسي الخالص وشغفي الأبدي بالمعرفة. وسط صخب المطارات وقاعات الانتظار المزدحمة، حيث تتسارع الخطى وتتداخل أصوات الحقائب على الرخام، صنعتُ لنفسي واحة من السكينة. لم تكن جدراناً عازلة، بل كانت غلاف كتابٍ أهيم بين سطوره. هناك، على ذلك المقعد الأخضر المألوف في مطار مسقط، وتحت إضاءة مسائية خافتة تنعكس على زجاج النوافذ، أغلقتُ منافذ السمع لتقرع أبواب الوعي داخلي، وأغوص في أعماق كتاب.في تلك اللحظات، لم أكن مجرد مسافر يترقب نداء الصعود إلى الطائرة، بل كنتُ إنساناً يستحضر أثمن ما يملك: العقل، والمعرفة، وسكينة الروح. تقاطعت في ذهني مسئولياتي اليومية كرئيس لقسم التواصل والإعلام بتعليمية محافظة جنوب الشرقية بوزارة التعليم، مع تأملاتي العميقة في النص الذي بين يدي.طوال العام، أعيش بين أمواج بحرٍ من العطاء لا يهدأ؛ بين العدسة والميكروفون، وضجيج التغطيات التي لا تتوقف. أتنقل بين زوايا مدارسنا لأرى ألق الطموح في عيون أبنائنا، وأسمع صدى ضحكاتهم، وأشعر بنبض إخلاص معلمينا. أوثق اللحظات وأرصد المواهب، ونستنزف أجسادنا في حب ما نعمل حتى ننسى أن للروح حقاً، وأن النفس كالشجرة تحتاج هدوء الفصول كي تزهر من جديد.وجاءت هذه الإجازة كمحطة استراحة فكرية ووجدانية. في المطار، وعلى إحدى صفحات كتاب، وقعت عيناي على حكمة بليغة الأثر:”لم يخلق الله الكون في يوم واحد، فما الذي يجعلك تعتقد بأنك قادر على إنجاز كل شيء دفعة واحدة؟”كانت هذه الكلمات كشعاع أضاء زوايا التعب في روحي، وتلتها النصيحة الساحرة: قف، وابسط عضلاتك، وتأمل لخمس دقائق. لم تكن هذه العبارة دعوة للتراخي، بل درساً عميقاً في التوازن والحياة. لقد ظننتُ يوماً أن الإخلاص يعني استنزاف الذات، حتى أدركتُ تحت أضواء صالة المغادرة أن العطاء الحقيقي هو ذاك الذي يستمد قوته من نقاء السكينة وصفاء الوجدان.إن عملنا في الإعلام يشبه غراس الحدائق؛ نحن لا ننقل أخباراً جافة، بل نبني جسوراً من الثقة، ونشعل شغف المعرفة، ونزرع بذرة الأمل في نفوس أجيالنا. ولكي تبقى هذه الرسالة حية ومشرقة، لا بد لنا من العودة إلى الذات، والإصغاء للهمس العميق بعيداً عن صخب التنفيذ اليومي.السفر اليوم ليس هرباً، بل هو رحلة استكشاف لصفاء الروح الذي توارى خلف زحمة الأيام. سأترك صخب المدينة، وأبتعد عن الكاميرا وشاشات المونتاج ومجموعات العمل، لأستمع إلى شدو الطبيعة وتأمل الكون. سأكتب بلا تكلف، وأقرأ بحب بلا عجلة، لأعود بروح جديدة وعقل متجدد يتسق مع تطلعات الإبداع والابتكار.إن استثمار المرء في صفاء ذهنه هو أعظم استثمار في عمله ومجتمعه. ورسالتي لزملائي وأبنائي الطلاب: اجعلوا من القراءة واحة يومية، ومن التأمل طقساً يعيد للروح نضارتها؛ فالقراءة غذاء العقل، والتأمل دواء المشاعر، والتوازن هو سر الاستمرار.سأعود من هذه الرحلة حاملاً في جرابي شحنات من الأمل، وكلمات أكثر شاعرية، وتصورات أبلغ لتوثيق مسيرة التعليم في وطننا المعطاء، ليكون إعلامنا أكثر دفئاً، ومدارسنا أكثر ألقاً، وصوتنا أشد قرباً من القلوب.إن الحياة سمفونية تتناغم فيها ألحان العمل مع سكنات الراحة، وضجيج الطموح مع هدوء التأمل. نسأل الله أن يوفقنا لأداء هذه الرسالة بأمانة وإتقان، وأن نكون دائماً ممن يصنعون الأثر ويشيدون صروح المعرفة بنور العقل وشغف القلب.

بواسطة
حسين بن علي الدروشي
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?