الثقافة والفنون
أخر الأخبار

حين يصبح العناق أمنية

اقرأ في هذا المقال
  • في مجتمعاتنا العربية، حيث تفرض العادات والتقاليد سطوتها على تفاصيل الحياة اليومية، يبقى التعبير العاطفي، خاصة الحنان الجسدي داخل الأسرة، حبيسًا خلف أسوار من الكبت، ومشاعر تُؤجل، وأحضان تُقال دون أن تُقال، وحبٌّ يُكتم خشية أن يُتهم. كم من أبٍ لم يحتضن أبناءه يومًا؟ وكم من أمٍ لم تُقبّل صغيرها؟ لا نتحدث هنا عن قسوة متعمدة، بل عن قسوة مغلفة بمفاهيم اجتماعية رسّخت أن العاطفة ضعف، وأن الحب الصريح "عيب". والأدهى أن هذه القسوة لا تُنسج فحسب، بل تترك أثرها العميق على النفس منذ الطفولة. فالأبناء الذين لا يجدون الحنان داخل منازلهم، ينشأون وهم يفتقرون إلى قبلة خال أو عناق ضيف، يخجلون من أي احتضان عابر، ويتلعثمون في التعبير عنه خارجه. وهكذا، ينشأ جيل يُعاني من نقصٍ اسمه "الحنان". نقص لا يُرى، لكنه موجع.. نقصٌ يعيش بصمت. ولو تحدثنا بصدق، سنجد أن كثيرين منا عاشوا هذا البُعد العاطفي في طفولتهم. نعرف أننا نفتقد شيئًا حيويًا، لكننا لم نكن ندرك أن ما شعرنا به هو صراع داخلي بين الحاجة للعناق والخوف منه. لحظات من الحزن دون كتف، شعور بالوحدة دون حضن. نشأنا على فكرة أن الحب يُفهم دون أن يُقال، وأن الحنان يُمنح دون أن يُطلب. وكم من طفل نام وهو يضم وسادته وكأنها أمّه؟ وكم من مراهق لبس قناع القوة وهو من الداخل هشّ، لم يسمع يومًا كلمة "أنا أحبك" أو "أنا فخور بك"؟ تلك المسافة العاطفية بين الآباء والأبناء لم تُخلق من فراغ، بل من تراكمات ثقافية ترى في الحب ضعفًا، وفي الاحتضان عيبًا. لكن الحقيقة أن الاحتضان ليس دلالًا، بل ضرورة. أن تمسح على شعر طفلك، أن تضمه عند حزنه، أن تُقبّله على جبينه، ليست رفاهية، بل أفعال تبني داخله ثقة بنفسه، شعورًا بالأمان، واتزانًا عاطفيًا يرافقه مدى الحياة. ليس عيبًا أن نبكي أمام أبنائنا، أو أن نقول لهم "أحبك" علنًا، أو نحتضنهم. العيب الحقيقي أن نحرمهم من لحظات قد تُغيّر مجرى حياتهم. فالحضن الصادق قد يمنع انكسارًا، يُصلح ما أفسدته الحياة، وربما في حضنٍ واحد، يجد الطفل العالم كله. في ظل هذا الجفاف العاطفي، المؤلم أكثر أن الأبناء يخجلون من طلب الحنان. لا يجرؤون على قول "أريد حضنك" أو "اشتقت إلى دفئك"، لأن شيئًا في داخلهم يقول إن هذا الطلب غير مسموح. وهكذا يبتلعون حاجتهم، يخفونها تحت أقنعة القوة، ويتعلمون أن يكبتوا ما يشعرون به. وحين يصبحون آباءً وأمهات، يتصرفون بخشونة مع أبنائهم، لا لأنهم لا يحتاجون الحنان، بل لأنهم تعودوا ألّا يُمنح. وغالبًا يعيدون إنتاج القسوة ذاتها، ومع من حولهم، رغم أن بداخلهم طفلًا هشًا، ما زال بحاجة إلى الحنان، ما زال ينتظر حضنًا مؤجلًا. فلنتمرد على صمتنا، على عالم يزداد قسوة وبرودة. لنمنح أبناءنا حبًا وحنانًا، بقلوب عطشى قبلهم. لنُعلنها صراحة: دعونا نكسر جدار العيب عن دفء الحنان، ليس لأنه ضعف، بل لأنه قوة تمنح أجيالًا أكثر صحة، وعيًا، وإنسانية.
بواسطة
غادة الحسينين
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?