تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار

الاستقرار أولاً: لماذا يبقى حل الدولتين المدخل الأهم لتنمية الشرق الأوسط؟

اقرأ في هذا المقال
  • تشهد المنطقة مرحلة بالغة الحساسية في ظل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة، الأمر الذي يجعل الحديث عن مستقبل العلاقات الإقليمية، بما في ذلك مسارات التطبيع والتعاون الاقتصادي، مرتبطاً بصورة وثيقة بمآلات الأوضاع الأمنية والسياسية القائمة. وفي هذا السياق، تبدو الأولويات أكثر تعقيداً من اختزالها في اتفاقات ثنائية أو ترتيبات مرحلية، إذ إن الاستقرار الشامل يظل الشرط الأساسي لأي مشروع تنموي مستدام. وقد عبّرت المملكة العربية السعودية عن هذا التوجه بوضوح في أكثر من مناسبة، وكان من أبرز ذلك تأكيد صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية، أن «نحن بحاجة إلى إصلاح الوضع قبل أي حديث عن التعاون الاقتصادي»، في إشارة إلى أن معالجة الأزمات القائمة تمثل أولوية تسبق الانتقال إلى مراحل أوسع من الشراكات الاقتصادية الإقليمية. ومن الناحية الاقتصادية، أظهرت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة قدرة ملحوظة على التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية، مستندة إلى إصلاحات هيكلية واسعة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. وقد انعكس ذلك في استمرار تدفق الاستثمارات، وتحسن مؤشرات التنويع الاقتصادي، وإشادات متكررة من المؤسسات المالية الدولية بمرونة الاقتصاد السعودي وقدرته على مواجهة الصدمات والتقلبات العالمية. كما عززت السعودية مكانتها كشريك موثوق في أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ سمعتها الاقتصادية والاستثمارية على المستوى الدولي. وتؤكد تجارب العقود الماضية أن التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي وجهان لعملة واحدة؛ فالمشروعات الكبرى والاستثمارات طويلة الأجل تحتاج إلى بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، بينما تؤدي النزاعات الممتدة إلى استنزاف الموارد وتعطيل فرص النمو والتكامل الاقتصادي. ومن هنا، فإن أي رؤية حقيقية لازدهار المنطقة لا يمكن أن تنفصل عن معالجة جذور الصراع وأسبابه الأساسية. وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية السعودية الداعية إلى حل الدولتين باعتبارها مقاربة تستهدف تحقيق سلام عادل ومستدام، يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي أوسع ويمنح شعوب المنطقة فرصاً أكبر للتنمية والاستقرار. فالحلول السياسية الشاملة غالباً ما تكون أكثر قدرة على الاستمرار من الإنجازات الدبلوماسية المؤقتة، لأنها تؤسس لمعالجة الأسباب الجوهرية للتوتر بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجه. وإذا كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تسعى إلى تحقيق إنجاز تاريخي في الشرق الأوسط، فإن دعم تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية وفق الأسس المعترف بها دولياً يمثل أحد أهم المسارات تأثيراً واستدامة في تاريخ المنطقة الحديث. فسلام يقوم على العدالة والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لا ينعكس على الأطراف المعنية فحسب، بل يفتح آفاقاً واسعة للتنمية الاقتصادية والتعاون الإقليمي والاستقرار طويل الأمد. إن مستقبل الشرق الأوسط لن يُبنى على التهدئة المؤقتة وحدها، بل على حلول سياسية راسخة تُنهي أسباب الصراع وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاستقرار رافعة للتنمية، والتنمية ضمانة للاستقرار..
بواسطة
مصطفى بن محمد القرشي
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?