تقارير وتحقيقات

الخصوصية الرقمية… اختراق مصداقية نماذج الذكاء الاصطناعي

• كيف يتم يتحكم بسرديات الذكاء الاصطناعي؟

• هل نثق بإجابات الآلة إذا اكتشفنا أنها صُممت لتضللنا؟

• ماذا يعني أن تُصنع إجابات الذكاء الاصطناعي لصالح جهات مموّلة؟

• من “معهد هانوفر” إلى CulturaX: لماذا تتحول البيانات إلى ساحة معركة؟

عندما سألتُ ChatGPT وPerplexity عن الحرب على غزة، توقعت إجابة متوازنة. لكني لم أحصل عليها بالصورة المطلوبة.بدت الإجابات هادئة. مرتبة. موثقة ظاهرياً. لكن الهدوء لا يعني الحياد، والاستشهاد بالمصادر لا يضمن أن تكون الصورة كاملة. أحياناً يكفي أن يُستبعد سياق واحد، أو أن يُقدَّم مصدر منحاز بوصفه مرجعاً مستقلاً، حتى تتغير دلالة الإجابة كلها.هنا تكمن المشكلة.النموذج اللغوي لا يرى الحقيقة مباشرة؛ إنه يعيد تركيبها من آثارها الرقمية: مقالات، تقارير، صفحات أرشيفية، منشورات، وقواعد بيانات. فإذا كانت هذه المواد غير متوازنة، أو جرى دفعها عمداً إلى مقدمة نتائج البحث والاسترجاع، فقد تبدو الإجابة موضوعية بينما هي، في الواقع، حصيلة بيئة معلوماتية منحازة.الأخطر أن القارئ لا يرى دائماً عملية الاختيار. يرى النتيجة فقط.

حين تدخل الدعاية إلى بيانات التدريب قرأت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature مثالاً واضحاً على هشاشة النماذج أمام بنية البيانات التي تتعلم منها. فقد حدد الباحثون أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة صينية مرتبطة بوسائل إعلام حكومية داخل مجموعة البيانات المفتوحة CulturaX، وهي من مجموعات البيانات المستخدمة في تدريب نماذج لغوية واسعة. وعندما أُعيد تدريب نموذج Llama 2 13B على 6400 مادة إخبارية صاغتها وسائل إعلام صينية رسمية، أصبح النموذج يقدم إجابات أكثر توافقاً مع الموقف الحكومي الصيني في نحو 80% من الحالات مقارنة بخط الأساس. لا تعني هذه النتيجة أن النموذج “يتبنى موقفاً سياسياً” بالمعنى البشري. لكنها تكشف شيئاً أكثر تعقيداً: أن كمية محدودة من المواد، إذا كانت متجانسة ومشحونة باتجاه سردي واضح، يمكن أن تغيّر طريقة صياغة الإجابة وتحديد ما يُبرز فيها وما يُهمل.في غرفة الأخبار، نعرف هذه القاعدة جيداً. إذا اعتمد الصحفي على مصدر واحد، حتى لو كان رسمياً وواسع الانتشار، فلن يحصل على صورة مكتملة. فلماذا نفترض أن النموذج سيصبح أكثر مهنية لمجرد أنه قرأ ملايين الصفحات؟الكثرة ليست تنوعاً.

من SEO إلى GEOلعقود، عملت الحملات الدعائية على تحسين ظهور صفحاتها في محركات البحث التقليدية. كان الهدف واضحاً: الوصول إلى الصفحة الأولى في Google، وجذب المستخدم إلى رابط أو موقع أو مادة محددة.أما اليوم، فقد ظهر هدف أكثر تعقيداً: التأثير في الإجابة التي ينتجها النموذج نفسه.يُشار إلى هذه الممارسة غالباً بمصطلح GEO، أي تحسين الظهور في محركات الإجابة التوليدية. والفكرة ليست مجرد نشر محتوى كثير، بل بناء منظومة من المقالات والتقارير والصفحات التي تبدو مستقلة، ثم جعلها قابلة للاكتشاف والاسترجاع من جانب النماذج.ما الفرق؟في SEO يرى المستخدم قائمة نتائج، ويمكنه الانتقال بين مصادر متعددة. أما في GEO، فقد يرى فقرة واحدة تبدو حاسمة ومكتفية بذاتها. وإذا لم يتحقق من مصادرها، ربما لا يعرف أن تلك الفقرة تأثرت بشبكة محتوى صُممت مسبقاً للوصول إلى النموذج.

معهد هانوفر: حالة كاشفةفي 14 آب 2026، كشفت وثائق أُودعت بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، ونشرتها Politico، عن حملة بقيمة 100 ألف دولار هدفت إلى إنتاج ونشر مواد “معلوماتية” حول إسرائيل وقضايا مرتبطة بها. ونُفذت الحملة عبر شركة Piro لصالح Havas Media Germany، نيابة عن وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية تضمنت الحملة إنشاء موقع يحمل اسم “معهد هانوفر للسياسة العامة”، بما يوحي بأنه مركز أبحاث مستقل. ونشر الموقع أكثر من اثني عشر مقالاً، بينها مادة تحمل عنواناً استفهامياً لافتاً: “هل جيش الدفاع الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم؟”العنوان وحده يستحق التوقف. فهو لا يعلن موقفاً مباشراً، بل يقدّم سؤالاً يبدو بحثياً. لكن السؤال نفسه يحدد إطار النقاش، ويمنح الموضوع شرعية أكاديمية قبل أن تبدأ الإجابة.ووفق تحقيق Politico، استُخدمت منصة Res، وهي شركة ناشئة في سياتل تعمل على مساعدة العملاء في زيادة احتمال توصية نماذج الذكاء الاصطناعي بمحتواهم.هنا لا نتحدث عن مقال دعائي منشور على حساب مجهول. نتحدث عن محاولة لبناء مصدر يبدو مستقلاً، ثم إدخاله في المجال الذي تستمد منه النماذج إجاباتها.قد يكون التمويل مذكوراً في أسفل الصفحة أو في صفحة منفصلة. لكن هل يكفي ذلك؟ إذا استشهد النموذج بالمقال من دون الإشارة إلى الجهة التي موّلته، فإن الإفصاح موجود قانونياً، لكنه غائب عملياً عن لحظة التلقي.وهذه نقطة فارقة.القارئ لا يسأل عادةً: من موّل هذا الموقع؟ ما تاريخ تسجيله؟ من يدير نطاقه؟ هل ورد اسمه في ملفات قانونية؟ إنه يقرأ الإجابة ويثق بنبرتها الواثقة.

تضليل واسع النطاق لا تبدو هذه الحالة منعزلة عن الاتجاه العام. فمن خلال قراءتي التقرير الرابع لدائرة العمل الخارجي الأوروبي حول التلاعب والتدخل المعلوماتي الأجنبي وجدت أنه رصد 540 حادثة خلال عام 2025، ووجد أن 147 منها، أي نحو 27%، استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى ارتفاع كبير مقارنة بالعام السابق، مع بقاء نسبة معتبرة من الحوادث غير منسوبة بوضوح إلى جهة محددة.المغزى ليس الرقم وحده. فالحملات لم تعد تعتمد فقط على إنتاج صورة مزيفة أو مقطع مركب. لقد أصبحت تستخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص، وتكييف الرسائل لغوياً، وصناعة الشخصيات الوهمية، وإعادة تدوير السردية عبر منصات ومواقع متعددة.في البيئات الهشة إعلامياً، يصبح هذا النوع من التضليل أكثر خطورة. خبر واحد مشكوك فيه قد يبدأ من موقع صغير، ثم ينتقل إلى حسابات منسقة، ثم يظهر في مقالات تبدو منفصلة، قبل أن تعثر عليه أداة بحث أو نموذج لغوي وتقدمه بوصفه “معلومة متداولة”.بعد ذلك يبدأ الاستشهاد الدائري:موقع يقتبس من موقع. وحساب يشير إلى مقال. والنموذج يخلط بين كثرة الإشارات واستقلالية المصادر.لكن التكرار لا يحوّل الادعاء إلى حقيقة.

كيف يتحقق الصحفي؟لا توجد أداة واحدة تكشف كل أشكال التضليل. بل يحتاج الصحفي إلى مسار تحقق متعدد الخطوات:

• ابدأ بالمصدر الأصلي… لا تكتفِ بالاقتباس الذي تعرضه الأداة؛ افتح الرابط واقرأ المادة كاملة، وتحقق من اسم الجهة الناشرة وتاريخ تأسيسها وتمويلها وهيئة تحريرها.

• افحص استقلالية المصادر… وجود خمسة مواقع تؤكد المعلومة لا يعني وجود خمسة مصادر؛ قد تكون جميعها نسخاً من بيان واحد.

• استخدم البحث العكسي عن الصور والفيديو… تساعد أدوات مثل Google Lens وTinEye في اكتشاف أن صورة منشورة اليوم تعود في الأصل إلى حدث قديم أو سياق مختلف.

• افحص البيانات الوصفية عند توفرها… قد تكشف معلومات الملف تاريخ الإنشاء أو الجهاز أو الموقع، مع الانتباه إلى أن البيانات الوصفية يمكن حذفها أو تعديلها.

• قارن صياغة السؤال… جرّب السؤال نفسه بعدة لغات وبصيغ مختلفة، واطلب من النموذج عرض مصادره وبيان حدود اليقين. اختلاف الإجابات ليس دليلاً حاسماً على التحيز، لكنه إشارة تستحق الفحص.

• راقب اللغة… التكرار غير الطبيعي، والعبارات القطعية، والانتقال السريع من معلومة إلى حكم أخلاقي أو سياسي، كلها مؤشرات تستدعي العودة إلى الوثائق الأصلية.لا تستخدم نموذجاً لغوياً بوصفه حكماً نهائياً على صحة خبر. النموذج مساعد في البحث، وليس بديلاً عن التحقق الصحفي.

من الضحية إلى الشريك

ينبغي ألا تكتفي المؤسسات الإعلامية بدور المتضرر من هذه التحولات. فالمؤسسة التي تنتج صحافة موثقة تستطيع أن تصبح جزءاً من البنية المعرفية التي تعتمد عليها النماذج، شرط أن تحافظ على حقوقها ومعاييرها التحريرية.شهدت السنوات الأخيرة اتفاقيات ترخيص بين مؤسسات إعلامية كبرى وشركات ذكاء اصطناعي، من بينها اتفاقيات مرتبطة بـ Associated Press وOpenAI وGoogle، إضافة إلى شراكات أعلنتها مؤسسات مثل Axel Springer وNews Corp. وتمنح هذه الاتفاقيات المؤسسات تعويضاً مالياً، لكنها تفتح أيضاً نقاشاً حول كيفية استخدام الأرشيفات الصحفية في التدريب والاسترجاع.المسألة ليست تجارية فقط.عندما تُتاح للنماذج مواد صحفية موثقة، مع بيانات واضحة عن الكاتب والتاريخ والتصحيح والمصدر، تتحسن فرص الوصول إلى إجابات أكثر قابلية للتتبع. أما عندما تُترك الساحة لمحتوى مجهول أو دعائي أو مكرر، فإن النموذج قد يساوي بين التحقيق المهني والمنشور المموّل، ما دام كلاهما متاحاً رقمياً.مع ذلك، لا تمثل اتفاقيات الترخيص حلاً سحرياً. فقد تمنح المؤسسات الكبرى نفوذاً أكبر على تدفق المعرفة، وتدفع المحتوى المستقل أو المحلي إلى الهامش. لذلك لا بد من الجمع بين الترخيص، والشفافية، وتعدد اللغات، وإتاحة البيانات التي تسمح للباحثين بفحص مصادر التدريب والاسترجاع.

هل بدأت حرب السرديات؟ما تكشفه قضية معهد هانوفر يتجاوز حملة محددة أو موقعاً بعينه. إنه يشير إلى انتقال المعركة من السيطرة على ما يراه المستخدم في نتائج البحث إلى التأثير في الطريقة التي تُبنى بها الإجابة أمامه.وهنا يتغير السؤال.لم يعد كافياً أن نسأل: هل يستطيع أحدهم تزوير صورة أو كتابة مقال مضلل؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: هل يستطيع أن يبني شبكة من المحتوى تجعل النموذج يعيد سرد روايته نيابةً عنه؟الإجابة، وفق الحالات الموثقة، هي نعم.لكن الخطر لا يكمن في أن النماذج تكذب دائماً. الخطر أنها قد تقول شيئاً ناقصاً بنبرة مكتملة، أو تستشهد بمصدر صحيح ظاهرياً من دون كشف علاقته بالجهة التي أنتجت المحتوى، أو تكرر سردية لأن الخوارزمية عثرت عليها مرات كثيرة.لذلك تظل مهمة الصحفي أساسية. ليس لأنه يعرف كل شيء، بل لأنه يعرف متى يتوقف عن تصديق الإجابة الأولى.الحقيقة ليست ما تقوله الآلة بثقة… الحقيقة ما يمكن تتبعه، ومقارنته، واختباره، ثم مساءلة الجهة التي صاغته.

بواسطة
حسين الإبراهيم
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?