- في يوم غائم وعاصف اختفت شمسه خلف غيوم بدت حزينه حيث يُحتضر كل شيء أخضر مع قدوم فصل الخريف الذي يفرض سطوته القاسيه على الطبيعه ويجعلها غاضبه متمردة و بالقرب من شجرة عتيقه تتساقط أوراقها مودعه فروعها لتعاني تلك الفروع وحده طويله قاسيه حتى قدوم الربيع القادم. جلس رجل عجوز تنساب دموعه حزينه وكأن القدر وضعه قرب هذه الشجره لتكون خلفية مناسبه لأحزانه حيث يتشابه سقوط أوراقها الجافه مع انهمار دموعه الحاره وكأن كل منهم يشكو ألمه للآخر ويجمعهما الوحده والحزن وعدد السنين والزمن الذي حفر خطوطه بقسوة على ملامح الرجل وجذع الشجره. كان الرجل في الثامنه والستين من عمره يرتدي ثياباً قديمه لكنها نظيفه مهندمة يجلس منكسراً يبكي بحرقه وهو يدفن رأسه بين يديه ويردد لقد سرقوا مني الحلم.... لقد سرقوا مني الأمل لفت منظره المنكسر و نحيبه نظر بعض الماره فمنهم من مضى في طريقه غير آبه وبعضهم لسبب غامض قد توقف ينظر إلى الرجل متحيرا ً وكأنه شعر أن البكاء من أجله هو ...وأن الرجل العجوز يناجيه بهذه الدموع ويستجديه أن يشاركه هذه اللحظات لحظات الضعف والانكسار ومنهم من انتابته الرغبة في البكاء تعاطفا مع انكسار الرجل ومشاركته البكاء لسبب غير معروف أو ربما يبكي على نفسه التي فقدها في معترك الحياه وكأن كل من توقف يريد أن يبكي أو يبوح بألم ما بشخص قد رحل بوعد لم يتحقق بحب لم يكتمل بأمل قد تبدد بحلم أصبح في حكم المستحيل بمنزل قد أصبح خاويا بحياه أصبحت بارده خاليه من الدفء والونس كل من توقف ربط بينهم جسر من الدموع فمنهم من تركها تنهمر في صمت ومنهم من بدا أكثر تماسكا من غيره وجعل دموعه حبيسة بين مآقيه توقف شخص وآخر وإمرأه وأخرى حتى توقف عدد لا بأس به من الماره ... العديد من الناس قد توقفوا ربما بدافع الفضول وربما بدافع التعاطف.... هذا الجمع من الرجال والنساء لسبب ما جذبتهم دموع هذا الرجل المسن فتجمعوا حوله على مسافات متباعدة وأخذ بعضهم يواسيه ويهديء من روعه ومنهم من اكتفى بالصمت قليلا لكنهم بدأوا معاً بطرح أسئله متلاحقه على العجوز علها تكشف ما أصابه من حزن فربما يستطيعوا مساعدته.... تجمعوا حوله وهو غير منتبه لهم دافناً رأسه بين يديه... ويديه متكئاً على قدميه وأكتافه متهدله سألته إحدي النساء وكانت تبدو رقيقة الحال وتحمل طفله رضيعه قالت : لماذا تبكي .....هل ضاع منك شيء؟؟ فرد وسط دموعه : لقد سرقوا مني كل شيء وصمت لحظه ثم أكمل قائلا : لقد سرقوا مني الأمل فردت المرأه بحيره : لماذا هل سرقوا ما كنت تدخره من أموال؟ فرفع رأسه للسماء يحدق في الفراغ وأجاب وسط دموعه مندهشا : لا فسأله رجل يبدو عليه أنه سائق : هل سرقوا سيارتك ؟ فنظر له العجوز بدهشة أكبر وقال : لا فسأله شخص آخر يبدو عليه الثراء : هل سرقوا أموالك ؟ هل خسرت في البورصه ؟ نظر الرجل لهم نظرات تائهه باكيه وقال بصوت واهن : لا فسأل آخر بعدما تجمع حوله عدد أكبر من الناس: هل سرقوا منزلك او هدموه؟ فهز الرجل رأسه بعد أن توقفت دموعه و خفض رأسه وهو ينظر بين قدميه وقال بصوت أكثر ضعفا :لا انطلق صوت أنثوي يسأل إن كان تم سرقة بعض الذهب أو الحلي التي يدخرها لزواج أبنائه ؟ فالتفت إليها وشبح السخريه يتراقص في عينه بين الدموع وهز رأسه وقال : لا فتعالت اصوات كثيره من الخلف هل سرقوا خاتمك؟ هل سرقوا حصانك ؟ هل سرقوا دراجتك؟ هل سرقوا ملابسك؟ تاه العجوز بين نظراتهم وأسئلتهم المتلاحقة كالرصاص ورد قائلا : لا .. لا ...لا ..لا هتف الجميع في وقت واحد بنفاد صبر : إذن لماذا تبكي ما الذي ضاع منك لتبكي بهذه الحرقه ما الذي فقدته وأنت تنفي ضياع أي شيء رفع الرجل عينه ونظر لهم بنظره يائسه وهو جالس مفترشا الأرض في حالة من اليأس والوهن والضياع وانتفض واقفا وسار بضع خطوات حتى ابتعد عنهم لكنه توقف و التفت إليهم وبدا لهم ضخما عملاقا مهيبا وهو الهزيل النحيف لقد سرقوا مني الأمل سرقوا مني الحُلم سرقوا مني ما كنت أعيش من أجله بلا أي مطامع في الحياه سرقوا منى الشيء الوحيد الذي امتلكته بين ضلوعي في هذه الدنيا ولم ارغب في شيء غيره فردت امرأه : لقد سألناك إذا كان ضاع منك أي أموال أو حُلى أو سيارة أو أي مفقودات ثمينه ربما نساعدك ولكنك نفيت ذلك فما الشيء الهام الذي سرقوه منك ؟ أجابها الرجل ساخرا دون أن ينظر إليها : لقد سألتوني عما ضاع منكم أنتم وليس ما ضاع مني أنا فكل شخص سألني عما فقده أو يتمناه أو يرغب في الحصول عليه أو ربما ضاع منه نظروا لبعضهم البعض نظره طويله ربما في إقرار على صحة ما يقوله الرجل العجوز وعاد ليقول : لقد أخبرتكم عما فقدته ولكن كانت آذانكم مغلقه مشغوله بأنفسكم ومشغوله بدنياكم انتم وليست مشغوله بدنياي أنا لقد أغلق كل إنسان حياته على نفسه فأصبحنا رغم قربنا من بعض وكأننا نعيش في جزر معزوله أنتم لم تسمعوا كلامي عما فقدته وربما لم يعنيكم لقد أصبحت حياة الشخص لا تتسع لغيره وقد أغلقها في وجوه الآخرين لذلك ضاقت بنا الحياه أصبحنا نعيش فقط بحثاً عن أمل نزرعه في نفوسنا وربما يكون أمل كاذب أو بعيد أو مستحيل ......لكنه يظل الأمل الذي ننتظر أن يتحقق وإن بدا بعيدا فهو ما يجعلنا نستمر وبدون الأمل ليس للحياة معنى وتصبح الحياه عدم ...مجرد أيام تتكرر وتتشابه في برودتها والأمل هو ما يمنحنا الدفيء ويجعلنا ننتظر ونستمر ونمضي قدما وربما نموت ونحن ننتظر لكن لا بأس فكل شخص يصنع لنفسه أملاً يعيش من أجله حتى لو كان أملا بسيطا تافها قد لا يستحق في نظر الآخرين تنهد في حرقة ويأس وقال : لقد أخبرتكم أني فقدت أهم شيء في هذه الحياه وصمت قليلا ثم قال مع تنهيده زفر معها آلامه وقال: الأمل ....الأمل هو ما فقدته فنظروا لبعضهم في حيره غير مستوعبين لكلام الرجل فالفقد والخسارة في عرفهم أشياء ماديه لا بد أن يكون لها ثمن و يمكن تعويضها وربما الاستغناء عنها أيضا قالو له وهم في حيره : وكيف فقدت الأمل ؟ قال وقد تضاءل حتى انحنى ظهره : لقد فقدت ابني منذ سنوات طويله وكنت أحيا كل يوم على أمل أن أجده وألقاه وكان الأمل يتجدد كل يوم وكل لحظه يتجدد مع كل شروق شمس يتجدد مع كل رساله مغلقه تأتيني من شخص ما يتجدد عندما أرى أحد من أصدقائي القدامى مع أولادهم كنت أعيش على أمل أن ألقاه و أتحدث إليه وأحكي له عما فات من سنين عمري الطويله في غيابه أحكي له كيف انتظرته طويلا على أمل أن نلتقي و أعطيه ما ادخرته له من هدايا كنت اشتريها له على مدار سنوات على أمل أن أجلس إلى جواره في يوم عرسه وأنا أتقبل التهنئه على أمل أن تنجب زوجته طفلا فأخذه وأربيه وأرعاه ويكون عونا لي في شيخوختى أعيش على أمل أشياء كثيره وحياه جديدة كنا سوف نعيشها معا رغم حياتي التي شارفت على الانتهاء على أمل أن ينجب ولدي الحفيد الذي أتمناه ... الحفيد الذي أردت تربيته على الحب أن يحب نفسه وأسرته ويحب الناس ويسعى فقط في الخير ومعاونة المحتاج وأن يكون رفيقا بكل من حوله وعندما يكبر ذلك الحفيد يكون طبيبا يساعد الفقراء من لا يملكون المال مثل جده أو يكون بناء يبني المنازل لمن ليس لديه منزل يأويه كنت سوف أعلمه كيف يزرع الحديقه ويساعدني هو وأبيه في تغطية سقف المنزل عند سقوط المطر كان لدي الكثير والكثير لأقوله لابني ولحفيدي اللذان كنت أحلم بهما في النوم واليقظه وأتخيلهما عندما أشعر بلحظات ضعف أو عجز كان يقول ذلك ودموع كل الحاضرين تتساقط في صمت وبعد ذلك أعطى لهم ظهره ليمضي في حال سبيله لكن الناس المتجمعين حوله استوقفوه وقالو له :انتظر ماذا حدث لابنك ؟ ابنك الذي أشركتنا في حزنك وجعلته ابنا لنا جميعاً توقف عن المشي ولكنه لم يلتفت إليهم لم يجرؤ على مواجهة نظرة الألم في عيونهم ورد عليهم وكأنه يعطيهم حقهم المشروع في لهفتهم وحق دموعهم التي سقطت تعاطفا معه ومع ابنه الغائب قال بصوت كسير : استدعتني الشرطه و أخبرتني أن ابني الذي انتظرته طوال سنوات قد توفي وأنه تم دفنه في مكان بعيد منذ بضعة شهور لا أعرف عددها ولكن أعرف ألمها في قلبي أخبروني ألا انتظر وأن أفقد الأمل الأمل التي كنت أعيش فقط من أجله أمل أعلم أنه مستحيل لكنه ظل موجوداً وكنت أتعلق به وأخاف أن أفقده وأخاف حتى أن يتحقق واليوم استدعوني لمركز الشرطة ليسلبوا مني الشيء الوحيد الذي أملكه وخرجت به من هذه الدنيا وهذه الحياه الطويله البائسه التي لم أطمع في أي شيء فيها وحسبي منها أقل القليل حتى اني اكتفيت منها فقط بالأمل الشئ الوحيد الذي لا يمنحه لك أحد بل تمنحه لنفسك فهو ليس عطاءاً من أحد بل مكافأه تمنحها لنفسك في لحظات ضعفك وعجزك ووحدتك لتستطيع العيش والانتظار ...نعم الانتظار انتظار أمل قد يتحقق او شيء أفضل ربما يحدث أو نهاية قد تكون سعيده مات ابني الذي كنت أدخره لساعة موتي كنت اريده أن يودعني عندما أموت ويلقي على نظرة الوداع الاخيرة ويلمس يدي البارده ويبكي على فراقي بدموع تتساقط على وجهي وهو يقبلني قبلة الوداع الاخيره وليحملني للمره الاخيره إلى قبري لكنه ذهب وتركنى وحيدا أعاني ألم الفراق والموت وحيداً توقف الرجل مكانه وشهق شهقه طويله وقال : لكن كل هذا انتهى الآن ذهب الابن والأمل معا وسقط الرجل بعد أن أنهى كلامه وحزنه وعذاباته وخر ميتا وخلفه وحوله عشرات الأشخاص من الناس الذي أرسلهم القدر ليكونوا أسرته الأخيره حتى لا يموت وحيدا مثلما عاش وحيدا ليستمعوا إليه ويشاركوه لحظاته الأخيره وليعوضوه عن فقدانه الأمل والابن وحمله الجميع في مشهد جنائزي مهيب وكان كل منهم يبكي في صمت مرير حملوه ومضوا في مشهد صامت حزين تتساقط فيه دموع الجميع رجالا ونساء وكأن الجميع أحس أن هذا الرجل هو جزء عزيز منه على قصر معرفتهم به لكن هذه الدقائق والدموع كانت كافيه ليكون هناك رابطا إنسانيا بينهم جميعا وهذا الرجل ذو الأمل الضائع حملوه جميعا ليشيعوا جزءا من نفوسهم مع هذا العجوز الصلب الذي لم يكسره غير ضياع الأمل العبره إياك أن تقتل الأمل في قلب أحدهم مهما كان بسيطا ...فربما يكون هو الشيء الوحيد الذي يملكه في هذا العالم



