مـا بين الجبـر والكسـر

حياة سريعة.. عالم متسارع.. ومواقف عديدة.. أشياء بسيطة لكنها تترك في حياتنا آثار عظيمة.. وكلمات عابرة نقولها كل يوم دون التفكير فيها أو الاهتمام بها، فمنها ما يسعد القلب، ومنها ما يكسره، ومنها ما يثلج الصدر، ومنها ما يضيقه.بعض الكلمات تبقى في قلوب من حولنا سنين طوال، تبعث الطمأنينة وتزرع الأمل، وترسم الابتسامة على وجه سامعها كلما تذكرها وترنمت في أذنه.وبعض الكلمات أصبحت ممرًا مملوءًا بالورد، يصل بين القلوب بالحب والود، بينما بعضها الآخر أصبح جدارًا متشققًا يفصل بين القلوب ويبعث فيها الكره والحقد.فاختر كلماتك للآخرين كما تختار لنفسك أجمل الأشياء وأروعها، وأنتقي منها أفضل العبارات كما تنتقي لنفسك أفضلها وأحسنها، واجعل لسانك منبعًا للسلام والخير، ومن قلبك مصدرًا للأمان وحب الغير، وازرع كلامك الطيب في كل مكان، وفي كل ركن وزمان، فالإنسان الطيب والجميل من يجعل له أثرًا طيبًا أينما يذهب وأما يحل.والأثر الطيب لا يحتاج إلى طاقات عالية أو قدرات كبيرة، إنما يحتاج لروح عظيمة وقلب صادق يعرف حقًا قيمة الكلمة الطيبة، أو يشعر بأثرها العظيم في قلبه قبل قلوب الآخرين من حوله.إن اختيار الكلمات و انتقاء العبارات يحتاج إلى اهتمام وإلى إدراك ووعي ومسؤولية، فلا يمكن قول كل ما يخطر في عقولنا، قبل التفكير فيه .ولا نحتاج إلى كلمات قاسية إذا اختلفنا، ولا إلى ألفاظ صارمة إذا تعارضنا، ولا إلى عبارات عنيفة إذا تعارضت وجهات النظر وتباعدت آراؤنا.. فجميعنا نستطيع التعبير عن اختلافنا ووجهات نظرنا بكل احترام وتقدير دون التجريح أو التقليل من شأن الغير.وإذا شعرنا بالغضب نستطيع تأجيل الحديث حتى تهدأ النفس وتسكن المشاعر وتطمئن الروح، لأن الكلمات التي تخرج وقت الغضب تجرح القلب وتكسر الخاطر، وتظل وقتًا طويلاً لا تُنسى.فمن الجميل أن نُفكر كثيرًا قبل أن نتحدث ، ومن الأجمل أن نتحدث لنترك أثرًا طيبًا في قلب من يسمعنا .فالكلام الطيب أجره كبير عند الله، و الله آمرنا به حين قال : ” وقولوا للناس حسنا ” ، فقد حملت الآية الكريمة توجيهًا عظيمًا وأمرًا كريمًا بأنّ يجعل المسلم حديثه وكلامه مع الجميع بالقول الحسن، مع مَن يعرفهم ومَن لا يعرفهم، ومع مَن يحبهم أو غير ذلك .وقد بين الحبيب المصطفى فضل الكلمة الطيبة فقال: ( والكلمة الطيبة صدقة ) فالصدقة ليست مال فقط، فكلنا نستطيع التصدق بطيب الكلام، وصدق النصيحة والدعاء والتشجيع، أو المواساة لمن أصاب قلبه الحزن، وأثقل روحه الهم.قد لا تملك المال لمساعدة الآخرين، ولكن تملك كلمات طيبة تدخل السعادة والسرور والفرح على من حولك.ففي كل يمر علينا العديد من الأشخاص، منهم مَن تمر عليهم لحظات صعبة، لنهديهم كلمات طيبة فنكتشف لاحقًا أن كلماتنا الطيبة كانت سببًا لمنحهم القوة والسعادة، وغيرهم مَن امتلأت قلوبهم بالهم والتعب، فتنساب عليهم كلماتنا الطيبة بترك الأثر العميق والراحة في قلوبهم، وغيرهم مَن يمر بضائقة أو مشكلة، فنستطيع أن نقف بجانبه ونكون معه بموقف صادق وكلمات طيبة، فبمجرد أن يشعر هذا الإنسان أنّ هناك من يقف بجانبه ويهتم لأمره إلا وتمتلئ روحه بالراحة وتغمر قلبه السعادة.وفي المقابل، علينا توخي الحذر من الكلمات العنيفة، والعبارات القاسية، فأثرها مؤلم ويبقى طويلاً في القلب، وبعضها يخرج وقت الغضب، فتهدأ النفس ولكن تبقى الكلمات.فاختيارنا للألفاظ والعبارات والكلمات أمر مهم، فليس كل لحظة غضب تستحق أن تتحول إلى عبارات مؤذية وكلمات قاسية ومعركة مؤلمة ، فلا عيب إن اختلفنا ولكن بدون اهانه، وإن انتقدنا تصرف ولكن دون التقليل من شأن صاحبه، ولا ضير إن عبرنا عن رأينا ولكن دون أن نسبب الألم لغيرنا بكلماتنا، فالقوة ليست في أن نعلي صوتنا، ونجرح مشاعر من حولنا، تاركين أثر ًا جارحًا في قلوبهم ، قد يسامحوننا عليه، ولكن يبقى آثره في قلوبهم، ولكنّ القوة أن نكون قادرين على ضبط اللسان وكظم الغيظ والتحكم في النفس والتحلي بالصبر.ومن أجمل الصور التي توضح هذا الأثر وهذا الجرح، قصة قرأتها منذ زمن طويل ولكن تعلمت منها الشيء الكثير ( أب أراد تعليم ابنه الأثر القاسي والجرح الذي تتركه الكلمات المؤذية والعبارات القاسية عند الغضب، فطلب منه في كل مرة يغضب ويتلفظ بألفاظ مؤذية أن يأخذ مسمارًا فيدقه في لوح خشبي، وبعدما تمكن الأب في جعلِ ابنه يستطيع التحكم بغضبه ، أمره أن ينتزع المسامير من اللوح الخشبي، ثم أراه الثقوب التي أحدثتها تلك المسامير في الخشب ). والعبرة من ذلك ليُدرك أن إزالة المسامير من الخشب لا تعني اختفاء أثرها، كذلك هو الاعتذار بعد الغضب، والتلفظ بالكلمات الجارحة قد لا يمحو أثر الكلمات المؤذية والقاسية في قلب مَن سمعها.فجميل أن نربي أنفسنا على التحكم بها، وكظم الغيض وضبط اللسان، وأن نُبدل قسوة قلوبنا احيانًا بالرحمة مرارًا وتكرارًا. ونستبدل الإهانة واللوم بالنصيحة الطيبة، ولتعانق كلماتنا الدافئة والصادقة قلوب من حولنا، لتأنس قلوبهم وتسعد أرواحهم، ويبقى أثرها في نفوسهم دائمًا وأبدًا.ختامًـا..كُن ذا أثر جميل، وكلام طيب، وحضور كريم، واختر كلمات حديثك بعنايةٍ فائقة، لتكون بلسمًا يداوي القلوب، ومصباحًا ينير الدروب، وأثرًا جميلاً يظل سنوات طويلة.كُـن تلك الحروف المطمئنة التي تمنح الحب وتصل مباشرةً إلى القلب، وذلك الجسر الذي يعبر عليه الآخرين فيشعرهم بالقوة.وتذكر أن الأيام تمر سريعًا والحياة قصيرة، وكلماتنا قد تكون الأخيرة مع أشخاص قد لا نلتقي بهم، ولكن ستبقى كلماتنا في ذاكرتهم، فلنختار أن يبقى معهم كلامنا الجميل وأثرنا الطيب، ولنجعل مرورنا في طرقات حياتهم مرورًا خفيفًا، يترك في أرواحهم أثرًا عميقًا. وفي النهاية ستبقى الكلمة الطيبة هدية غالية الأثر، وفن جميل يمتلكه أصحاب النفوس الجميلة والقلوب الرائعة وأصحاب الأخلاق الرفيعة، وهي عبادة نؤجر عليها ، وملاذًا آمنًا يرمم الأرواح المنكسرة، ويضمد شقوق الوجع في القلوب المنجرحة.



