هل الأيدي الخفية وراء حرائق حوض البحر الأبيض المتوسط؟

من سوريا وتركيا إلى الجزائر… هل تحوّلت الغابات إلى أهداف في حرب صامتة؟
هل هي مصادفة أن تنتقل مشاهد النيران خلال فترات متقاربة من غابات الساحل السوري إلى تركيا، ثم تظهر بالصورة المرعبة نفسها في الجزائر؟ أم أن حوض البحر الأبيض المتوسط يتعرض لحرب صامتة لا تُستخدم فيها الصواريخ، بل شرارة صغيرة تتكفل الرياح بإكمال مهمتها؟السؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى «نظرية مؤامرة»، لكن تكرار الحرائق، وتعدد بؤرها، واتساعها المفاجئ، يجعل تجاهله أمرًا صعبًا. فهل نحن أمام كوارث طبيعية متلاحقة، أم أمام جهات خفية وجدت في الحرارة والجفاف غطاءً مثاليًا لتنفيذ أهداف لا تترك وراءها بصمات واضحة؟الرواية الرسمية الجاهزة تبدأ دائمًا من الطقس: ارتفاع قياسي في درجات الحرارة، انخفاض الرطوبة، جفاف الغطاء النباتي ورياح قوية دفعت النيران بسرعة هائلة. وكل ذلك صحيح علميًا، لكنه يفسر انتشار الحريق ولا يحدد بالضرورة مصدر الشرارة الأولى.فالحرارة تُجفف الأشجار، والرياح تنقل اللهب، لكن من أشعل البداية؟هنا تبدأ نظرية المؤامرة في فرض نفسها. فعندما تندلع عشرات البؤر خلال فترة قصيرة وفي مناطق متباعدة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الأمر ناتجًا عن سلسلة مصادفات وإهمال بشري، أم أن هناك من يختار التوقيت الأكثر خطورة لإشعال النيران، حين تكون الغابة جافة وأجهزة الدولة تحت ضغط هائل.النار سلاح غامض؛ تبدأ صغيرة، تنتشر بسرعة، تمحو كثيرًا من آثارها، ثم تُسجَّل الكارثة في النهاية تحت عنوان «حرائق بسبب موجة الحر». ولا تحتاج الجهة التي تقف خلفها، إن وُجدت، إلى جيش أو معدات ضخمة، بل إلى معرفة بالمكان والوقت واتجاه الرياح.لكن من المستفيد؟قد تكون هناك شبكات تسعى إلى الاستيلاء على الأراضي المحروقة أو تحويل طبيعتها واستغلالها اقتصاديًا. وقد تقف خلف بعض الحرائق مصالح مرتبطة بالأخشاب أو الفحم أو التوسع العمراني. كما لا يمكن استبعاد فرضية التخريب بهدف استنزاف أجهزة الدولة، وإثارة الخوف بين السكان، وضرب السياحة والزراعة والثروة الحرجية.أما الفرضية الأكثر إثارة، فهي أن تكون حرائق المتوسط جزءًا من نمط تخريبي عابر للحدود، يستغل التغير المناخي لتنفيذ عمليات تبدو طبيعية. فلا رابط معلن حتى الآن بين حرائق سوريا وتركيا والجزائر، ولا دليل منشور يثبت وجود جهة واحدة خلفها، لكن التشابه في المشهد والتوقيت وطريقة الانتشار يفتح الباب أمام أسئلة لن تهدأ بمجرد الحديث عن ارتفاع درجات الحرارة.في سوريا، تحولت الغابات إلى جبهات ملتهبة، بينما أعاقت الجبال والألغام ومخلفات الحرب عمليات الإطفاء. وفي تركيا، ساعدت الحرارة والرياح وانخفاض الرطوبة على تمدد النيران بسرعة. أما في الجزائر، فقد أثار تعدد بؤر الحرائق شكوكًا واسعة، ودفع السلطات إلى فتح تحقيقات معمقة لمعرفة الأسباب الحقيقية.فتح التحقيقات يعني أن الملف لم يُحسم، وأن احتمال وجود عامل بشري، سواء بالإهمال أو التعمد، ما يزال قائمًا. لكنه لا يعني في الوقت نفسه ثبوت المؤامرة.من حق الرأي العام أن يشك ويسأل، لكن ليس من حقه تحويل الشك إلى اتهام بلا دليل. وفي المقابل، ليس من المقبول أيضًا استخدام التغير المناخي بوصفه إجابة جاهزة تُغلق بها الملفات قبل تحديد نقطة الاشتعال الأولى في كل حريق.نظرية المؤامرة قد تكون مبالغة، وقد تتحول التحقيقات إلى حوادث منفصلة لا رابط بينها، لكن الشفافية وحدها قادرة على إنهاء الشكوك. المطلوب نشر نتائج التحقيقات، وتحليل توقيتات ومواقع البؤر، والاستفادة من صور الأقمار الصناعية وكاميرات المراقبة، والكشف عن أي توقيفات أو أدلة جنائية مرتبطة بالحرائق.فالتغير المناخي قد يكون قد جهز المسرح، والجفاف قد يكون وضع الوقود، والرياح ربما نشرت اللهب… لكن يبقى السؤال الأخطر:من أطلق الشرارة الأولى؟ وهل يحترق حوض البحر الأبيض المتوسط بفعل الطبيعة وحدها، أم أن أيدي خفية تتحرك خلف ستار الدخان؟



