سوريا بين اقتصاد 2010 ووعد 2027… هل استعادة الماضي تكفي لبناء المستقبل؟

أعاد حديث الرئيس السوري أحمد الشرع عن الاقتصاد السوري، وحجم الناتج قبل الحرب، وإمكانية العودة إلى مستوى عام 2010 بحلول عام 2027، فتح واحد من أكثر الأسئلة الاقتصادية والسياسية حساسية في سوريا: ماذا يعني أن يصبح الوصول إلى ما كانت عليه البلاد قبل أكثر من عقد ونصف هدفاً اقتصادياً للمستقبل؟
بحسب بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي السوري بالأسعار الجارية نحو 61.4 مليار دولار عام 2010. وفي حديثه خلال قمة الإعلام العربي في دبي، قال الشرع إن الاقتصاد السوري كان في حدود 60 مليار دولار آنذاك، وتراجع إلى قرابة 20 مليار دولار في عام 2024، ثم وصل بحسب تقديراته إلى نحو 32 مليار دولار في 2025، متوقعاً أن يبلغ قرابة 50 مليار دولار في 2026، وأن تعود سوريا في 2027 إلى مستوى عام 2010 تقريباً.
هذه الأرقام، إذا تحققت التوقعات المتعلقة بالسنوات المقبلة، لا تحكي قصة نمو اقتصادي فحسب، بل تختصر حجم الفجوة التي صنعتها سنوات الحرب والدمار والنزوح وتراجع الاستثمار والإنتاج وتعطل جانب واسع من البنية التحتية.
وهنا تكمن المفارقة.
الوصول إلى حجم اقتصاد عام 2010 بعد سنوات طويلة لا يعني أن سوريا وصلت إلى نهاية طريق التعافي، بل يعني، اقتصادياً، أنها استعادت تقريباً نقطة انطلاق قديمة.
فعام 2010 لم يكن العصر الذهبي للاقتصاد السوري، ولم يكن الاقتصاد آنذاك خالياً من المشكلات البنيوية أو ضعف الإدارة أو البطالة أو التفاوت الاقتصادي أو البيروقراطية. ومع ذلك، فإن تحول ذلك المستوى اليوم إلى محطة تسعى الدولة للوصول إليها يكشف بصورة واضحة حجم الخسارة الاقتصادية التي تعرضت لها البلاد خلال السنوات الماضية.
والسؤال الأهم ليس فقط: هل تستطيع سوريا العودة إلى اقتصاد بحجم 60 مليار دولار؟
بل: ماذا سيكون قد حدث لمستوى معيشة المواطن السوري عندما تصل البلاد إلى هذا الرقم؟
فالأرقام الاقتصادية وحدها لا تكفي.
يمكن للناتج المحلي أن يرتفع، ويمكن للاستثمارات أن تدخل، ويمكن أن تتحسن حركة التجارة، لكن الاختبار الحقيقي لأي تعافٍ اقتصادي يبقى في قدرة المواطن على الشعور بنتائجه من خلال الدخل وفرص العمل والقوة الشرائية والخدمات والسكن والطاقة والنقل والاستقرار المعيشي.
كما يجب التعامل بحذر مع المقارنات الرقمية بين المراحل المختلفة، لأن قيمة الناتج المحلي المقوّم بالدولار تتأثر بأسعار الصرف والتضخم وطريقة الاحتساب، وبالتالي فإن الوصول اسمياً إلى الرقم نفسه لا يعني بالضرورة استعادة القوة الاقتصادية أو المعيشية نفسها.
والأهم أن سوريا خلال هذه السنوات لم تخسر أرقاماً فقط.
لقد تضررت المصانع وشبكات الكهرباء والطرق وقطاعات الزراعة والطاقة والنقل والتجارة، وغادرت البلاد رؤوس أموال وكفاءات بشرية، ونزح أو هاجر ملايين السوريين، وتراجعت القدرة الإنتاجية والاستثمارية في قطاعات واسعة.
ولهذا لا ينبغي قراءة المقارنة بين 2010 و2027 باعتبارها مقارنة بين عهد سياسي وآخر، ولا باعتبارها محاولة لإثبات أفضلية مرحلة على أخرى.
الحرب السورية وتبعاتها نتاج مسار بالغ التعقيد، تداخلت فيه عوامل داخلية وخارجية، وصراعات سياسية وعسكرية، وتدخلات إقليمية ودولية، وعقوبات اقتصادية، ودمار هائل أصاب الدولة والمجتمع والاقتصاد.
لكن بعيداً عن الخلاف حول المسؤوليات، تبقى أمام السوريين حقيقة واحدة واضحة: البلاد خسرت سنوات طويلة من التنمية، واستعادة ما فُقد تحتاج إلى أكثر من مجرد إعادة رقم الناتج المحلي إلى مستواه السابق.
الرئيس السوري تحدث كذلك عن طموح لوصول حجم الاقتصاد إلى نحو 200 مليار دولار خلال السنوات الخمس إلى العشر التالية إذا استقرت الظروف الدولية، وهو هدف أكثر طموحاً بكثير من مجرد العودة إلى مستوى 2010.
لكن الوصول إلى مثل هذه المستويات لن تصنعه الأرقام والتوقعات وحدها.
إنه يحتاج إلى بيئة قانونية واقتصادية مستقرة، ومؤسسات موثوقة، ونظام مصرفي قادر على تمويل الاقتصاد، واستثمارات منتجة وليست مؤقتة، وقطاع خاص حقيقي، وإعادة تأهيل للبنية التحتية، وسياسات تشجع السوريين في الخارج على إعادة رؤوس الأموال والخبرات إلى بلادهم.
كما يحتاج إلى نموذج اقتصادي لا يجعل إعادة الإعمار مجرد بناء حجارة وطرق ومنشآت، بل مشروعاً يعيد تكوين الطبقة الوسطى ويوفر فرص العمل ويرفع الإنتاج ويمنح الشباب سبباً للبقاء داخل البلاد.
والمقياس الأهم لنجاح المرحلة المقبلة لن يكون عدد المليارات المعلنة وحدها.
بل سيكون السؤال البسيط الذي يطرحه كل مواطن:
هل أصبح راتبي يكفيني؟
هل أصبحت الكهرباء والخدمات أفضل؟
هل أستطيع تأسيس مشروع؟
هل أجد فرصة عمل؟
هل يمكنني أن أعيش حياة مستقرة دون أن يكون السفر أو الهجرة هما الخيار الأول؟
عندما تتحول الأرقام الاقتصادية إلى إجابات حقيقية عن هذه الأسئلة، يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي يشعر به السوريون.
أما الوصول إلى حجم اقتصاد عام 2010، إذا تحقق في 2027، فيجب ألا يُنظر إليه بوصفه إنجازاً نهائياً أو سقفاً للطموح.
إنه في أفضل الأحوال استعادة لخط بداية خسرته سوريا خلال سنوات قاسية.
والتحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك.
فالدولة التي تحتاجها سوريا في المستقبل لا يجب أن تعيد إنتاج اقتصاد ما قبل الحرب كما كان، بمشكلاته واختلالاته، بل أن تستفيد من تجربة خمسة عشر عاماً كانت من أقسى المراحل في تاريخ البلاد الحديث لبناء نموذج اقتصادي جديد أكثر إنتاجية وعدالة واستقراراً.
سوريا لا تحتاج فقط إلى استعادة اقتصادها القديم.
بل تحتاج إلى أن تبني اقتصاداً يجعل عام 2010 نقطة في الماضي… لا سقفاً لطموحات المستقبل.



